بالأمس ، راسلني هذا الفتى الشاعر جميل الروح والعبارة .. الأستاذ رشيد حمّاني .. كان قلبه مغرورقا بالدمع ..
قال لي : ( لماذا يحاربوننا وهم شعراء ونحن شعراء؟) …
قلت : هم لا يحاربونكم .. إنما يحاربون الشعر فيكم .. ولو لم يكن هذا الشعر يجعل منكم جنّا أزرق لما حاربوكم ..
ولعلّ ذلك قد دعاني إلى توجيه رسالة إلى شعراء البيان .. من ورثة عنترة وجرير ومهلهل وعمر بن أبي ربيعة وكعب وزهير و…ودرويش ونزار …
وقد أحسستُ في مواقف ومراحل ومحطات من حياتي ، جمعتني ببعض الشعراء ، أنّ بعضهم تهتزّ خياراته حين يلتف حوله من أنصار اللابيان من يغريه بترك الشعر ،موهما إياه أنه نظم لا شعر ، وأنّ الشعر العالمي اليوم يوغل في تفجير اللغة وتجاوزها وتجاوز الوزن أحيانا ، والإيغال في الغموض والتهويم ، حتى لا يعرف القارئ ما يسمع ..
وكان هؤلاء الشببة من الشعراء يتأثّرون أحيانا بمثل هذا الكلام ، ويميلون في عواصفه كالنخل في الريح ، ويقع في أنفسهم من الشك في قصائدهم وفي مواهبهم ما يدمّرهم ويثنيهم ..
لذلك أريد أن أضع بين أيدي هؤلاء الشعراء تجربة عقود ..
أولا : اقترن مفهوم الشعر في الإسلام بالبيان ، ذلك لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يسمع الشعر كان يقول : ( إنّ من البيان لسحرا) .. والبيان من الإيضاح ، والشعر العربيّ معربٌ ، تنطبق عليه أحكام اللغة ، وتضبطه ولا يتجاوزها، والإعراب هو الإظهار ، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : (البكر تستأذن، وإذنها صماتها ، والثيّب تعرب عن نفسها) أي تظهر ..
وما لم يكن ظاهرا أو بيانا ، فهو مخالف لما شهد له النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه شعر ..
لذلك ، لا يمكن للغموض والتهويم الفارغ أن يكون بيانا أو إعرابا ..
وانظروا إلى شاعر مثل نزار ، قلب موازين العالم ، وأدخل الشعر إلى كل بيت .. كيف هو شعره؟ .. إنه البسيط الرقيق الأنيق من الكلام .. الذي يسميه الحداثيون نظما .. ( صباح الخير يا حلوة) ..بهذه البساطة أسر نزار ملايين القراء .. وأعاد الشعر إلى عرش الملك .. وهم طبعا لا يستطيعون انتقاد نزار لأن ذلك يكشفهم ، لكنهم ينتقدون كل من هو قريب من نهج نزار في السهل الممتنع الذي أثبت الواقع أنه مفتاح النجاح والانتشار ..
ثانيا: أنّ الشعر العربي في الجاهلية والإسلام ، رسالة ، له مهمة يقوم بها ، في السلم والحرب ، في البغض والحب ، لذلك لا يمكن لشعر لا يفهم أن يؤدي رسالة ، وذلك ما فعلته ( المدارس العبثية) الغربية ، فقد أفرغت الأدب من رساليته .. وجعلته كلاما لمجرّد الكلام .. فتصوّروا كعب بن زهير رضي الله عنه يقرأ للنبي صلى الله عليه وسلم في مسجده وهو سيّد الفصاحة ، قصيدة لا تقول شيئا ولا يكاد المستمع يفهم منها معنى .. لذلك تجد أنّ الذين يميلون إلى شعر الغموض والتهويم ، هم عادة الليبراليون الذين لا رسالة لهم في الحياة ..
ثالثا : أنّ الشاعر العربيّ اليوم ، ينتمي إلى إرث شعريّ عربيّ كبير ، فيه المعلقات وعصور الجاهلية والإسلام ومهلهل وامرؤ القيس والمتنبي و…و..و… في آلاف من الشعراء والقصائد التي تنوء بها العصبة ..
فكيف يمكن أن يترك كلّ هذا الإرث العظيم ، ليرتدّ إلى مدارس الأعاجم ، التي أخرجت لنا قصائد تشبه الترجمات لقصائد الغرب .. لذلك على الشاعر أن يختار إمّا هذا الإرث العربيّ الشعري العظيم الذي فيه جحاجحة الشعر ومنهم آباء للعرب وسادة لقبائلهم ولسانهم ومنهم صحابة و..و..و.. وإمّا إرث المدارس الأعجمية ، مع الشذوذ الواقع في الجمع بين العروبة والعجمة ..
رابعا : أنّ شعر الغموض ودعاة الحداثة فشل واقعا ، وبقي مهجورا محصورا محسورا .. لا تهتم به الجماهير ولا الجموع ، ولا تتداوله غير النخب التي هي في أغلبها ليبرالية لها رؤى أبعد من الشعر .. بينما الدنيا كلها تهتزّ على إيقاع البيان .. وللشاعر أن يختار لنفسه شعبيا ، أن يكون مثل أدونيس مثلا ، لا تعرفه غير ثلة ممن يسمون أنفسهم مثقفين .. أو أن يكون كنزار قباني تعرفه الدنيا كلها ..
ولهذا السبب بالضبط يحمل شعراء الحداثة أحقادا كبيرة على الجماهير ، ويرمونها بالسطحية ، وعدم الفهم ، ويرون أنفسهم مظلومين لأنّ الجماهير لا تفهم ما يقولون .. وتلك العقدة هي التي تجعلهم يتهجمون على شعراء البيان الذين حوّلوا القصيدة كما يقول نزار قباني إلى حليب وخبز يستهلكه الناس يوميا ، بينما من يسمون شعراء الغموض والحداثة ، لا يكاد الواحد منهم يكتب قصيدة في خمس سنوات ..
وحين يرى شاعر معزول عن الجماهير ، لا يحضر أمسياته غير الكراسي الفارغة ، حين يرى ما يحققه شعراء الشعر العربي من الانتصارات والتوسع ، لا يجد غير التهجم والتهكم ، استسلاما لنار الحسد الذي تأكله ..
وعلى الشاعر منذ يومه الأول أن يختار كعب بن زهير مدرسة ، ونزار قباني انتشارا وشعبية .. أو يختار ت اس إليوت الأعجمي نموذجا ، وأدونيس شعبية ..
أخيرا .. فإننا حين نرفع شعار مدرسة كعب بن زهير رضي الله عنه ، فإننا لا ننتظر أن يكون فيها من لا علاقة له بالسماء إلا علاقة الكره والاستهتار والجنوح والازدراء .. نحن نرفع عماد خيمة هذه المدرسة للذين يخافون النشور والوقوف أمام الله تعالى وسؤاله لهم عن الشعر ..
والنبيّ صلى الله عليه وسلّم وصحابته زكوا هذا النموذج من الشعر العربيّ ، القائم على القوة والجزالة والوضوح والبيان، وآنذاك فالشاعر في فسحة من أمره، وقد اختار لنفسه ، ما رضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. مع العلم أنّ الخروج عن الخط المزكّى يوقع في المحذور والمحظور ، خاصة وأنّ الإسلام شدّد في أمر الشعر ، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ..عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا) ..
وقد بوّب عليه البخاري :
باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن..
لذلك فمن لا يفهم معنى الصدود عن القرآن وعن ذكر الله وعن السنة ، فهذا ليس معنيا بالكعبية ..
هذا ، وإنّي أرى في الأفق نهضة شعرية طوفانا ، ستغسل الأرض من الوهم ، وتنبت حدائق النسرين .. وتستعيد أمجال مهلهل وكعب .. خاصّة مع توجه الشعراء الشباب وحتى الجمهور إلى الاهتمام باللغة وبتراث العرب وأيامهم ، وبالشعر القديم .. وهو ما يربك الذين أخذوا اللغة العربية عن روايات أغاثا كريستي والجرائد اليومية .. هؤلاء بعد سنوات لن يستطيع الواحد منهم أن يقرأ سطرا واحدا أمام جحاجحة اللغة وأساطين البيان ..
وأنا أدعو الشباب من الشعراء إلى التوغل في تعلّم اللغة والعروض وعلوم الشعر وأيام العرب ..فإن تطاول عليهم متطاول من فقاعات الشعر والأدب ، فليحرجوه بمسائل اللغة والعروض أمام الجماهير ، ليعرف هؤلاء قدرهم .. ولتعرفهم الجماهير أكثر..
أقول للشباب الشعراء الذين اختاروا الشعر العربي ومهلهل وامرأ القيس .. لا تلتفتوا إلى من يقتله الحسد .. وأفضل ردّ لكم عليهم هو أن تكتبوا أن تشغلوا الناس وتغرقوا الدنيا بالشعر .. وانظروا أمامكم .. فهم يقولون عني إنّي شاعر من الزمن القديم .. وأنا كذلك فعلا ، لكن انظروا إلى الناس كيف يحبون شعرنا ويحترمونه ويعرفون له قيمته ..
هذا الشعر شعرنا نحن .. وهم لهم ما يسمونه شعرا وليس بشعر إذ لم يعرفه مهلهل والمتنبي .. وهذه الجماهير جماهيرنا ، بطلبتها وعمالها وفلاحيها وفقرائها وشبابها المهمّشين ومتوسدي الأرصفة .. بينما هم لهم ، كمشات من ليبراليين .. لم ينجح أكثرهم حتى في إقامة أسرة ..
نحن لا نكتب وكؤوس الخمر في أيدينا .. نحن نكتب على سجادة الصلاة .. أو على رمل الصحارى وصهوات الجياد التي تعرفنا جيّدا ، بدوا فرسانا .. ونحن حتى في الغزل أقوى منهم ، لأنّ كعبا أعظم في الغزل من ت اس إليوت .. واسألوا النساء كيف تجننهن قصائد عمر بن أبي ربيعة ، ونزار ، ومحمد جربوعة في المتأخرين ..
لهذا السبب ، أعرفُ نعمة الله الكبرى عليّ في الشعر ، وأشمخ به وأشمخرّ، وأعرف له قدره ، مستندا إلى جبال الشعر العربي ، وأنا أرى بعيدا وأبدو عاليا لأني أقف على أكتاف أجدادي من عمالقة هذا الفن منذ الجاهلية البعيدة .. وشتان بين من يقف على كتفي عملاق من أجداده، ومن يقف على أكتاف قزم أعجمي ..
أنا رجل جدّي جرير ، وجدي الفرزدق ، وجدّي علقمة الفحل .. وأجدادي من مضر وعموم العرب كثير ، لذلك فالشعر يسري في دمائي ، وفرق بين من يسري هذا الشعر في دمائه ، وبين من لا دماء له أصله ( ليختشي عليها) على حدّ تعبير أهلنا في مصر..
ملاحظة أخيرة : أريد أن أبيّن أن الأنظمة العربية ولأسباب عدة ، ساندت شعراء الحداثة ، ونشرتهم في الإعلام والثقافة و….وأغدقت عليهم ، وجعلت الملتقيات والمسابقات في خدمتهم ، وهو أمر لا يخفى في محاربتها للأصالة .. لكن رغم كل ذلك الدعم لم يستطع هؤلاء أن يصلوا إلى الجماهير .. وعليه .. فإن هؤلاء قد اصطفوا في صف الأنظمة ، بينما اخترنا نحن الجماهير الواسعة من الشعوب .. تلك التي لا تعرف احتقار القيم ولا معاداة السماء .. لذلك تحبّنا الجماهير ، وتمتلئ القاعات لنا .. بينما لا تكاد الإدارة بكل سلكتها تجمع لشاعر منهم عشرين شخصا في أي أمسية أو ملتقى .. والواقع بيننا ..
و..يحيا …..
أكملوها أنتم ..
- رسالة إلى الشعراء الشباب
- التعليقات