ما أن فتح الباب ليخرج، لفتت نظره ورقة مطوية عند العتبة ،انحنى عليها ليرفعها من الأرض، سقطت منها رصاصة معلقة بسلسلة ذهبية تشبه الميدالية ، وقعت عيناه على الكلمات التي فيها ، كتبت بقلم رصاص وبخطِِ رديء ، في أول السطرصدمته الجملة التالية (أمهلك 12 ساعة لتقررترك بيت .و.) ولم يتبين باقي الحروف ، لم يكمل قراءة الورقة .أغمض عينيه وشملته رعدة خفيفة ، فيما تشنجت مفاصله ، نظر نحو ساعته ، لم يتبق من وقت الدوام عن وظيفته غير ربع ساعة ،اعتصر الورقة بيده ورماها في جيب سترته ، فيما ظل يتأمل الرصاصة في راحة يده والحزن يكتم أنفاسه المتلاحقة .
استدار راجعاً نحو صالة الإستقبال ، جلس في بطن الأريكة وهو يفتح عقدة رباطه ، تزاحمت الصور والمشاهد على مخيلته فازداد قلبه هلعا ، نهض متثاقلاّ وهو يجر خطواته الرتيبة مقترباً من غرفة منامه ، ألفى زوجته مازالت نائمة كما تركها قبل قليل وطفله الصغير يتوسد ذراعها العارية ، اتجه صوب غرفة ولده الشاب ذا السبعة عشر ربيعا ، رآه يغط في نوم عميق .
صفعه مشهد جيرانه الذين رحلوا قبل اسبوعين بسبب ورقة تهديد مماثلة ، إنذار بعدم البقاء وتخلية الدار مع رصاصة في داخلها ، كان ينظر إليهم وهم يحملون أغراضهم بسيارة كبيرة ، يستعجلون الرحيل خوفاً من بطش من أنذرهم بالرحيل ،آلمه منظر جاره الذي كان يحترمه كثيراً وقد ترقرقت في عينيه دموع ساخنة ، صافحه الجار الراحل بحرارة وألم واختفى من المنطقة بعد ذلك وانقطعت أخباره .
لمن يلتجئ ومن يسمع شكواه ؟
ماذا ستفعل الشرطة لو تم الإبلاغ عنهم ؟ ما ادراه انهم سقتلونه وعائلته قبل وصول النجدة إليهم ؟ من سيقف معه من أقاربه لو أبلغهم بالتهديد ؟ من تلك الجهة التي تهدده ؟ مع من يتفاوض ليحل تلك المشكلة ؟ الحي الذي يسكنه ليس مقصورا على طائفة معينة وإن كانت طائفته أقل وجودا وتأثيرا فيها .
يعرف جيدا أنه لا ينتمي لأي حزب ولا منظمة ، وظيفته خدمية حكومية ليس فيها ما يخص السياسة والدين ، موقفه من النظام السابق ليس فيه ما يدعو للشبهة ولا النظام الحالي ، لمن يشكو همه ؟ أي صديق أو جار يمكن أن يطمئنه ويزيح عن كاهله كل هذا الخوف ؟ (إلى أين أحمل أغراضي وأرحل …هل سأفقد وظيفتي ورزق عيالي .
.لو بحثتُ عن دار للإيجار كم سيكلفني وكم سيتبقى من راتبي الضئيل ؟ لو انتقلتُ إلى مدينة بعيدة من سيقبل بنقلي من وظيفتي إلى دائرة أخرى قريبة من منزلي المفترض ؟ كم سأدفع من رشوة للموظف أو المسؤول الذي سيقوم باجراءات نقل وظيفتي ؟ طفلي الصغير كل شهر يجهز على ثلث راتبي لكثرة أمراضه فمن سيقرضني المال لو احتجتُ إليه ؟ ولدي أيمن كيف سيؤدي امتحاناته لو انقطع عن المدرسة ؟!) ظلّت الافكار والوساوس تتناهبه من كل جهة حتى أعياه التفكير،
أخرج هاتفه الخليوي من جيب بنطلونه واستعرض الأسماء ، ضغطَ على حروف إسم شقيقه الأكبر :
_سعيد لا وقت للتفاصيل ..وصلتني ورقة تهديد بالرحيل من الدار ..ابحث لي عن مكان أنقل فيه أثاث البيت واتصل بيّ .. لقد أمهلوني 12 ساعة فقط لم يتبق غير عشر ساعات ..ربما يغيرون من موقفهم ويجهزون علينا قبل هذا الوقت ..
_من الذي يهددك ياحامد ؟
_لا اعرف يا سعيد ..وضعوا لي رصاصة مع الورقة ..استعجل ارجوك .
انقطع الإتصال ,,حاول ثانية ..الهاتف في الجهة الاخرى يعلن أنه مشغول ..
رفع رأسه وجد زوجته تقف أمامه وهي تنظر نحوه بدهشة :
_ماذا سنفعل يا إلهي ؟!
_اهدئي مريم …سيكون الحال على مايرام .
_يا ربي ماذا فعلنا ..ماذنبنا نحن والمصائب تلاحقنا واحدة بعد الأخرى؟
_اوقضي أيمن من نومه واتركي البكاء أرجوكِ؟
قام الأب من مكانه وفتح دولابه الصغير ليتفحص مابقي عنده من مال ..تذكّر أن عليه أن يجمع المستمسكات والهويات في حقيبة واحدة ، أزاح وجهه عن درفة الدولاب لينادي على زوجته كي تحزم أغراضها ..وجد ولده أيمن يقف قبالته والفزع يرتسم على ملامحه الطفوليه ،
_أمي قامت برزم الأغراض وأنا جمعتُ كتبي وملابسي ..إلى أين سنرحل يا أبي؟
_عمّك سعيد سيجد لنا بيتا قريبا منه .
رنّ الهاتف في جيب الأب ..أخرجه على عجل فسقطت الورقة وتدحرجت الرصاصة ، اقتربَ منها أيمن ،أمسك بالرصاصة يتفحصها باستغراب ، قفّ شعر رأسه واتسعت حدقتاه ، فضّ الورقة بسرعة ، إلتهمت عيناه الحروف ، قرأ كلماتها بتمعّن ،اختلجت شفتاه ونظر نحو أبيه ثم عاد يقرأ من جديد :
(أمهلكَ 12 ساعة لتقرر ترك بيت سلمى وتقطع علاقتك معها نهائيا .وإلاّ سأقطع علاقتي بك ..وتلك الميدالية التي اهديتني إياها أعدتها إليك ..إن شاء الله.
رصاصة تدخل قلبك واخلص منك بجاه النبي …..)!

أضف تعليقاً