اصبعه يلامس زناد بندقيته ،عيناه المتعبتان تجوسان أرجاء المكان برتابة اعتاد عليها .. الشارع خال من أي شيء يثير انتباهه .. البيوت مهدمة و رائحة الدم والبارود يحملها نسيم مثقل بآهات ثكلى ..الصمت يطبق على المكان برمته .. أتعبه المكوث طويلاً في هذا المكان الضيق .. العثور على هدف متحرك أصبح شبه مستحيل ، يحتاج إلى قتل أحد ما يضيفه إلى أعداد من قتلهم .. رائحة أشياء غامضة تصفع أنفه المزكوم ربما رائحة الموت هي التي تفرض نفسها بقوة.. من يجرؤ على المرور من ساحته ؟ سبعة أيام لم يقتل فيها سوى هؤلاء الخمسة .. هذا العدد لا يرضي مسؤوليه.. يشعر بالقلق ، خوفه من تقريع الأمير يقلقه
، تراءت أمامه صورة شيخه الكبير..يخشى صرامته وهيبته وبطشه ..خمّن بادئ الأمر أنه يتوهم وجوده ،الشيخ يقف بقربه حقيقة ،يشعر بكف الشيخ على كتفه، ثقيلة : أقتل أي شخص تراه لافرق بين مدني وعسكري ، طفل ، شيخ ، إمرأة .. لا ترحم منهم أحداً .. يحاول عبثا طرد شبح الشيخ من ذاكرته .. يتشاغل بكيس الطعام الذي جلبوه له .. يمَّدُ يده إلى كسرة الخبز ، يغمسها في قطعة الجبن داخل علبة معدنية , يكتفى بلقمتين وينحَّى الطعام جانباً ، ليس له شهية على الأكل ،لابد من ارسال موقف غداً , المطلوب منه خمسة عشر قتيلاً في أسبوع ..مالغاية من هذا الرقم ..هل حسابات فلكية خاصة ام هو رقم حاله حال أي رقم آخر.. من أين يأتي بالعشرة الباقين ؟ طفق يمسح بدن البندقية بقطعة قماش وهو يحاول تلميع بدنها الخارجي , الملل يأخذ منه مأخذاً .. لا شيء مثير في هذا المكان
.. انتظار ممل يبعث على القرف .. تمر ساعات الصباح ثقيلة جدا , شمس آب عكست لهيبها المحرق على رؤوس الأشجار العالية .. البعض منها محترق .. يتمنى أن ينام قليلاً .. يتوسل بالخدر لعله يتسلل الى بدنه .. هوّمت عينيه بالنعاس , لم ينم منذ ليلتين بتمامهما .. وضع مؤخرة رأسه على الجدار .. يحاول أن يغفو ولو قليلاً , أغمض عينيه ، لا يدري هل هو غفى أم لم يغفو بين اليقظة والمنام .. انتبه فجأة ، سمع صوت ناعم يباغت أذنيه ،على الفور يلمح طفلة صغيرة ، في رأسها جديلتين تهتزان كبندول ساعة .. يتحركان كلما قفزت .. تحمل في حضنها دمية .. سمعها تتكلم مع أحد .. دفع برأسه خارج النافذة الضيقة .. أدركَ أنها تكلم الدمية ولاشيء آخر .. صوّب بندقيته نحوها .. وضعها في دائرة مرقاب البندقية .. اصبعه على الزناد .. قطرات العرق بدت تسح على جبينه ,..غشاوة غير متوقعة تجعل الرؤيةعسيرة .. يرأى ابنته ترتدي مريلة المدرسة ، بعمرها تقريباً .. يبتسم ،يرخى أصبعه عن الزناد ، يقطَّب حاجبيه , يتذكَّر كيف حملها بين ذراعيه وهي مضرجة بالدم .. قبل وصوله المشفى لفظت أنفاسها ، أصيبت بشظايا انفجار عبوة ناسفة في باب المدرسة .. يمسح عينيه .. ينحنى على قنينة الماء يحتسي منها قليلاً وينثر الباقي على رأسه ووجهه .. يرنو الى الطفلة ، تقترب كثيرا ، أصبحت قاب قوسين من نقطة الارتكاز .. يصمَّم على تركها ..يتراجع إلى الوراء .. يتراءى له الشيخ مجدَّدا وهو يقول له معنَّفا إياه :
_ أقتلها .. ماذا تنتظر ؟ !
_تشبه ابنتي ياشيخ ..
_ليكن …
قرَّب وجهه من الناظور .. وضع اصبعه على الزناد ..(شيخي اعتقني ارجوك ) يلتفت نحوه الشيخ بعينين حمراوين :
_اقتلها …إنها لا تستحق العيش !
_ربما يكون أبويها من موالينا .
_عجّل يقتلها كائنا من تكون ؟..انتظر هنيهة ثم أطلق الرصاصة الاولى .. لم يصب الهدف ، أطلق الثانية , ,صاح مندهشا :
_شيء لايُصدق .. أطلقَ الرصاصة الثالثة والرابعة .. أصابه الهلع , توالت عليها الرصاصات تباعا ، أسقط في يده .. الطفلة مازالت تلعب وتتقافز هنا وهناك وكأنها لم تسمع صوت الرصاص ولا اصطدام الرصاص في الكتل الكونكريتية المهدمة القريبة منها .. تذكر قول الأمير الكبير وهو يقول له : أنت قناص ماهر .. سأجعلك في مكان مهم ،سأجعلك قائداً ،رميتكَ لا تُخطيء أحداً .. بوركت .. انقطعَ الصوت فجأة .. لم يعد يرى أحداً .. فقدَ السمع تماما.. تضبَّبت الأشياء في عينيه .. ترنّح جسده ،تخاذلت أعضاءه .. مسح السائل من جبينه ، كان دماً لزجاً.. يشعرالآن بالخواء تماماً .. يريد أن يتقيأ .. أراد النهوض .. يشعر أن جسده منفصل عنه .. يمسك بقاعدة النافذة بأصابع مرتجفة .. يرفع رأسه قليلاً ، من خلل الدم الذي يغمر عينيه .. يشاهدها وهي لمَّا تزل تلعب وتتقافز ضاحكة.. كأن لا شيء يعنيها البتة .
- رصاصة قنَّاص
- التعليقات