كنت أركب حمارتنا العجوز نعناعة، تسير بي في الزراعية متهادية بخطوات بطيئة، كان مشهدا خلابا، الأشجار المتنوعة على الجانبين، في الجانب الأيمن من الطريق مجرى مائي صغير، ماؤه صاف رقراق، كثيرا ما ارتشفت منه مستخدما يدي جرعات باردة حتي في عز الهجير.
أحاول أن أستحث نعناعة على إسراع خطاها، فحبيبتي بياضة في انتظاري في مكاننا المفضل، أحاول الغناء مثلما رأيت إسماعيل ياسين ومحرم فؤاد يفعلانها في أفلام الأبيض والأسود، يخرج من حنجرتي صوت نشاز اجش، لم يعجب أذني، كلمات شاذة ارتجلتها من تأليفي، لن اتغزل في حبيبتي بكلمات قديمة، بالتأكيد سيتحسن صوتي ويتحسن أدائي وسأبدع بكلمات الحب والغرام بمجرد أن تنطلق الموسيقي من مكان مجهول، لابد أنهم جن الغرام وعفاريته، سيردد معي كلماتي، كورس من الجن أيضا.
مر الوقت وأوشكت أن أصل حيث تنتظرني بياضة، ولم تظهر الموسيقى ولا الكورس، ولم تتفتح الزهور الحمراء والبيضاء والصفراء، ما زال صوتي أجش يرهق أذني وما زالت كلماتي شاذة لا تعبر عن حب ولا تشير إلى أي غزل أو وله.
وصلت إلى بياضة، كنت أتخيل أنني سأجدها جالسة على مقعد خشبي عتيق تحت تكعيبة عنب تتدلى منها العناقيد، وجدتها تنتظرني على أحر من الجمر فوق كومة سباخ على رأس حقلنا، تنظر بوله…ليس لي…ولكن لعشة من البوص في حقلنا والتي تختفي بين شجرتين عتيقتين.
أجلس بجوارها فوق كومة السباخ، تطغى رائحتها على روائح الخضرة الجميلة، أمسك بيد بياضة برقة، تسحبها مني بعنف، وهي تنظر قلقة يمينا ويسارا، أحاول من جديد مسك يدها، أريد أن أغني معاها دويتو مثل ذلك الذي غناه عبد الحليم حافظ وشادية في أحد أفلامهما، ولكن الموسيقى لا تنبعث مرة أخرى ونسيت كلمات الدويتو وخرج صوتي نشازا من جديد، وظلت يدي ممسكة بيد بياضة لثوان معدودة، لكنها لم تسحب يدها من يدي هذه المرة بل قبضت على يدي بشدة وسحبتني ناحية العشة المختفية عن الأنظار، وفي العشة بادرت هي بالفعل ولست، أنا كانت شديدة اللهفة والاستعجال، وقضت مني وطرها، و من جديد لم يحدث أيضا ما يحدث في الأفلام، لم ترعد السماء ولم تبرق، ولم تنطفيء لمبة الغرفة أو تكسر، لم تفتح الرياح الأبواب والشبابيك، مر كل شيء بسلام، وحتى عندما أحست بياضة بعدها بشهر بثمرة خطيئتنا، لم يمثل الأمر مشكلة بالنسبة إليها، فقد كانت فرحة زوجها عبد العال بمولودهما الجديد ..الولد بعد أربع بنات..عارمة.