في العجلة الندامة! هكذا تعلّمتُ منذ الصغر، لكنني لم أتمالك نفسي وأنا أتخطّى التقاطعات واللسيارات مسرعًا بسيارتي لألحق صديقًا فات موعده بدقائق؛ حتى ارتطمتْ بفتاة حاولتْ أن تعبر الشارع مسرعةً لتتفاداني!
توقفتُ واجمًا يتصبب العرق من جبيني، وشعرت ببرودة أطرافي، ولم أستطعْ أن أتحرّك؛ فتبرع المارّة بحملها إلى السيارة، وانطلقت بها إلى أقرب مستشفى، وأخذتُ أنظرُ إليها ممتقعةً قد اصفرّتْ وعقدَ الخوفُ لسانَها؛ غير أن عينيها كانتا تترقرقان بالدموع لحظةً، ثم تنهمر بحرقةٍ وصمتٍ، بقيت طوال الطريق أخالسُ عينيها النظرَ، وهي بين خوف ورجاء، والدموع تترجرج في مآقيها.
استقبلها المستشفى وأجرى لها اللازم، خلال وقت قصير، ولم يتبين فيها أي إصابات – والحمد لله -، وأبقوها تحت الملاحظة، حتى جاء والدها، يجر رجليه مضطربًا مذهولاً، فدخل عليها باكيًا وقال: “سلامتك يا سَخيّةَ العينين”! فقابلتُه بسيل من دموع سَخينةٍ، واحتضنها مهدئًا من روعها، ثم أخذ يلاطفها حتى نامت وعيناها مغرورقتان بالدموع!
انتحيتُ به جانبًا أعتذرُ له عما بَدَرَ مني، وأتعرّف إليه، وأسرّي عنه ما روّعه، فسألته في عرَض حديثي:
“لم ناديتها بسخية العينين”؟
فأجاب والدمعة تسبقه: ” ابنتي هذه صغرى بناتي وأكثرهن حنانًا وعطفًا عليّ، توفيتْ أمُّها، فتولتْ هي رعايتي، وقد بلغت من الكبر مبلغًا، ومذْذاك لم تعد عيناها تمسكان دمعًا ولا تكفّان، فإن حادثتُها دمعتْ، وإن شكوتُها تلعثمتْ وبكتْ، حديثُها بكاءٌ، وصياحُها نسيجٌ، تحسَب في عينيها زجاجةً لكثرة الدموع.
نظرتُ إليها وهي نائمة، وأمعنتُ النظرَ في عينيها المغمضتين، فكأنهما حوصلتا طير تنزّان ماءً! ولم أملكْ دمعةً فرّتْ من عينيّ؛ فاستأذنتُ والدَها لأكمل إجراءاتِ خروجِها، وأنا أتمتمُ: “في العجلةِ الندامةُ”!

أضف تعليقاً