في البداية ظننتُ انها سحابة طارئة، سرعان ما ستتلاشى،لتستعيد السماء صفاءها، وتعود مياه الحياة اليومية الى مجراها. لكنها تكاثفت وصارت غيمة ثقيلة داكنة، تلون الافق بنذر عواصف قادمة، ولم تنجل.! ففاتني ان ألتحق بعائلتي، بعد ان أُغلِقت الطرقات بين المدن، واقفرت الشوارع داخلها، ولاذ الناس بسقوف جحورهم وانكمشوا على ماتبقى من امن وامان.! وجدتُ نفسي، فجأة، محكوما بالمكوث في مكاني، وراء باب مقفل الى اجل غير معلوم، دون ان اعرف أسأكون بعده في عداد الهالكين ام بين الناجين.؟ إذا قيض لاحد ان ينجو، فالكل ينتظر الغرق القادم، وأي فرد هو مشروع غريق محتمل، ويد الغريق لن تكون مشروع نجاة.! لهذا تملكني الخوف، بعد بضعة ايام قضيت معظم اوقاتها نائما، وصارت عيني مجرد ثقب خشن لاينغلق، تحت ضوء مصابيح لاتنطفأ في قاع عمارة كبيرة لاتنفذ الشمس الى هوائه الرطب والمعتم دوما. ضمرتْ شهيتي، وضاقت إلا لبضعة لقيمات. عكس شراهتي للحشيش التي استعرت، وصارت السجارة الملفوفة اصبعا سادسا لايفارق يدي طيلة النهار والليل الذيْن لاافرق بينهما سوى بالتلصص على الشارع المقفر من ثقب صغير في باب المستودع الكبير الذي يشغل معظم مساحة الجزء الاسفل من العمارة باستثناء البيت الصغير حيث جحري منذ ان صرت مسؤولا عن الاسمنت لدى مقاول البناء الذي شغلني..لم يعد يهمني أهو النهار ام الليل، مادام الوقت صار ليلا ابديا في سواد روحي، والمصابيح عيون أرق جاحظة، تتدلى في شماتة من سقف لايكتم الاصوات التي تتساقط علي كالبرَد من طوابق العمارة المأهولة.! استنفذتُ كل طاقتي على الاحتمال. اشتد الحصار داخلي، واتسع الضيق في انفاسي، بعد ان نما رهاب مزلزل في كياني، وصار يرجني مع ارتدادات الخطوات التي لاتهدأ، ليل نهار، فوقي، حيث تُغلِق كل عائلة على نفسها خوفا من العدوى التي يمكن ان ينقلها اي كان لاي كان وفي اي لحظة.! لم يسعفني التلفاز في التخفف من رهابي، بل صار يذكيه بمخاوف جديدة، فنزعته من مكانه وقلبته على وجهه البشع. لم تسعفني الرغبة في الرد على الهاتف، فأغلقته، لأن المخاوف تطير عبر الاثير ايضا. لم تسعفني ذاكرتي لارفع شراع زورقها واعبر لجة حاضر مضطرب الى ضفاف ماضٍ جميل، بل صارت مجرد مستودع صغير في رأسي مليء باكياس الاسمنت، كالمستودع الكبير الشبه مملوء بعد ان توقفت فجأة كل مشاريع البناء وهرب الكل الى حجورهم.لهذا صرتُ كلما خرجت من جحري كفأر مذعور وطفتُ في ارجاء المستوع الشاسعة بين صفوف اكياس الاسمنت، اختلط علي الامر واستحال علي التمييز بين الاكياس أهي في المستودع ام في الذاكرة، ولااعود اعرف عني اانا بين الاكياس في المستودع ام في الذاكرة.؟ ويستعر رهابي اكثر، مع وقع الخطوات على قلبي المنهك والتي لاتنقطع في طوابق العمارة، واشعر باهتزاز الجدران، وانظر الى السقف بعين مرعوبة تخال نفسها تحت اطنان من الحديد والاسمنت، فتصفو صفوف الاسمنت في ذاكرتي، وتنتظم صور كل الاكياس التي بعتها خلسة دون ان يعلم المقاول، بعد ان تطلع من بئر النسيان..أخبأ رأسي بين يدي، واتمتم:( الجميع يسرق..المقاول، والمراقب، وانا..الجميع، الجميع..كل شيء مغشوش).لكني كنت اجد نفسي وحيدا، اتخبط مرعوبا من جحري الى ارجاء المستودع بين صفوف اكياس الاسمنت كفأر يدرك انه لامحالة واقع في المصيدة. لااكف عن التفكير في مقدار الثقل المتراكم من مجموع اجساد افراد العائلات التي تسكن طوابق العمارة، والتي لاتنقطع عن الحركة، اضافة الى ثقل ماكدسوه من مواد تموينية، إذ لم يعد احد يخرج من جحره، بعد ان كان لايجتمع نفس العدد داخلها ولو في الليل.وتمر كل صور الغش في البناء التي رأيتها او تسترت عليها او استرزقت منها، فازداد يقينا، مع ارتداد وقع الخطوات على السقف، ان العمارة لن تصمد طويلا، لكن دون ان اعلم متى، فيشتد سعار رهابي وانا اخال نفسي مسحوقا تحت اطنان من الاسمنت والحديد.! لهذا لم اتمالك نفسي، واندفعت الى باب المستودع الثقيل. وما إن تمكنت من فتحه، حتى اطلقت صرخة مدوية كأن مسّا من جن اصابني، وركضت في شارع مقفر، بعد ان تركت الباب مشرعا.!

أضف تعليقاً