والفجر يفكّ عقد حبال خيمة الليل انطلق إلى عمله متفائلاً بيوم جديد، لم يكن يدرك أن أمنيته التي ينتظرها تتحقّق. وصل سوق الخضار قبل أن تمسح الشمس على ذوائب الأشجار فوق ذرا الجبال. الحركة تزداد كل دقيقة، ومع تكاثف الحضور لفتت نظره حركة غير اعتيادية لرجل يراقب الناس، عيناه تلاحق حركاتهم، وتتسمّر على التجمّع الأكبر. تسرّب الشكّ إلى نفسه. إنه غريب لم يره من قبل، وهو يعرف السوق وروّاده جيداً منذ سنوات. هيّجت حركة الرجل اهتمامه، وعاطفته.. تساءل: مَن هو؟ وماذا يريد؟ أيكونُ إرهابياً؟!
نسي عمله والناس، وراح يقترب منه، لاحظ تكوّر وسطه، وامتلاء خاصرتيه، وترقبه لأية إشارة.. نكزه شكٌّ قوي، اقترب منه أكثر. رآه الرجل فتغيّرت ملامحه، واضطربت حركته. تأكد أنه إرهابي يضمر شراً.. سابق الثواني وهجم عليه.. احتضنه بقوة، وراح يبعده عن السوق. حاول الرجل فك قبضته.. لم يستطع الإفلات.. تشبث به، وأبعده بضعة أمتار، ورماه أرضاً، حاول تثبيته، وشلّ حركته.. تفلّتت يده.. تحسس حزامه الناسف.. ضغط.. ودوّى انفجار عنيف… تناثرت الأشلاء، وعلى وجه الأرض ارتسمت كرامة وطن، وسجّل التاريخ ولادة بطل*.
ذلك اليوم يتذكر كثيرون نجماً لم يأفل، وشمساً صحت على إباء وإقدام منعا موتاً مبيّتاً للناس، فلم يحقق الإرهاب بغيته، وحقق الشهيد أمنيته التي تمنّاها وانتظرها، وراهن عليها مفتدياً بروحه أرواح الكثير من المواطنين الأبرياء، وأرسل رسالة عزّ وكرامة وتضحية لوحوش – همّها اغتيال الفرح، والقتل، والتمثيل بجثث ضحاياها – أنّ السويداء عصيّة على الظلمة والباغين أعداء الإنسانية.
ما زال يقف حيّاً لم يغب أمام عيني ابنته الكبرى ليليان، ولم تنسَ قوله لوالدتها – كلما رأى شهيداً يُشيّع – “أنا هيك بكرا بدّي موت شهيد”، عبارة راهن عليها، وردّدها مراراً، وحقّقها، بعد نصف قرن ونيف تماماً، صبيحة الأربعاء الأسود 2018/7/25.
- البطل: الشهيد “ماهر عطا الله غرز الدين” ولد في 1966/7/25، في بيت كريم وتربّى في مدرسة الأصالة على الأخلاق الفاضلة، والإخلاص للأرض، ومحبة الناس. كان محبوباً لصدقه، وحميد أخلاقه، وغيرته، ومثابرته على مساعدة الآخرين، وكان مضرب المثل في حماسته والتفاني في أداء العمل، وحب الوطن. رحمه الله.