للكاتب أحمد جلال صالح

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

القاصّ يحّمل الأحداث في النصّ بعدا اجتماعيا كبيرا، و يسرد حكاية الأسرة الشرقية، أو العربية الحبلى بالمتاعب و المناكفات الزوجية و الأعباء النفسية التي تعيشها الأسرة في ظل ظروف صعبة، لا يستطيع الفرد فيها التخلي عن كل موروثاته، سيّئها و حسنها، و لشدة افتضاح أمرها فقد وعاها الطفل الرضيع، هكذا يحاول الكاتب أن يرسم الصورة القاتمة للمجتمع العنيف و الجاهل و الظالم، و تفشّي أدبيات هذه الرجعية، حتى على ألسنة الرُّضّع.
و الحال هنا حركة إبداعية و فنيّة من الكاتب، في جعل بطله رضيعا لا يفقه، يسوق لنا أحداثا كبيرة، عانى منها المجتمع المتقهقر عن الركب العالمي، و من باب آخر فإن البطل قد جاء كاسرأ للنمط العام، فخلق جوا من المتعة التي ينتظرها القارئ، في كسر الروتين، و كذلك الأمر فإنه قد أبدع في التقديم المبكر لكتابة ذكرياته، و إبصار الحقائق في أوقات تلفت نظر المطّلع و تثير فضوله في متابعة القراءة.!
و مازلنا بصدد شخصية البطل و ممارساته الطفولية، كالبكاء و اعترافه بعدم تعلّم الكلام بعد و الجوع من جرّاء عدم قدرته على الأكل و الالتهاء بعدّة الرضاعة الاصطناعية، و في الوقت نفسه فإنه على درجة عالية من القدرة على سرد الأحداث الوضعية اليومية بشكل جميل و جذّاب، ذلك البطل عقل الناضج الناكص إلى الخلف كثيرا، و محاولة تطبيق ما يفعله هو الآن بزوجته و كيفية ردها عليه و صراخ الطفل يصمّ أذنيه، فيعود به الزمن ليكون هو ذاك الطفل فيروي لنا قصة الأب الجبّار و الأم العنيدة أو الساذجة أو الفطرية أو المظلومة، و الطفل الذي يكبر رغما عن كل الظروف التي تنشئها حياة هذه الأسرة الهشة، فتحفّه العناية الإلهية التي نسميها ‘صقل الظروف لحياة المظلومين’
و بالطبع فهذه تحسب للكاتب لا تحتسب ضده، و مثلماالتقديم و التأخير في اللغة، من المحاسن البلاغية، فإن التقديم و التأخير بحدث الحكاية، أو تقمّص بشكل نكوص، أو تجرُّد من النمطية المقيدة في شكل الشخصية، يكون لحساب البلاغة من وجه ومن الطابع الفني من وجه آخر، فقد جاءت كثيرا من القصص على لسان الطير و الحيوان، و النبات و الرياح و المطر و كثير من الظواهر الكونية، و لاقت إقبالا شديدا، يؤخذ منها العظة و الحكمة، و الجمال الفني غير التقليدي في القص.

العتبة
تعقّل، المفردة فضفاضة، واسعة المعنى، فهي تروي لنا حياة الصغير الذي يعي جيدا العواقب التي سوف تنتجها ممارسات تبدو استحقاقية، و منطقية، و معقولة، لكن البصيرة ترى أكثر من ذلك، و البصر يقف مغلول اليدين أمام عمق الرؤية، و الاصطبار على الأذى، و التحلّي بالحكمة على حساب حقوق لا يمكن أخذها بسهولة، و الاستعاضة عنها بما يلهي النفس و الروح و الجسد(أدخلت الملهية في فمي) عن كل ما هو ضروري في الوقت الحاضر، لحين توفّر الخصوبة لغرس يمكن له أن تتفيئ تحته.
إذا التعقّل هو الأناة و النظر بعين ثاقبة لبعد شاسع و ليس اندفاعيا لا يتعدّى أرنبة الأنف.
تعقّل يرتجى منه الفائدة، لكنه دون شك سوف يقدّم التضحيات الجسام، التي تفرضها وقائع الحال و الجور المستفحل.
عنوان موفق، تعدى مرحلة المحلية ليشمل كل أنواع العقلانية بالعالم، سياسيا، اجتماعيا، اقتصاديا، عاطفيا…

التجويع سلاح الظالم
(أيقظني الجوع في منتصف ليل، ولأنني لم أتعلم الكلام بعد، كان من الطبيعي أن أصرخ مطالبا أمي بإرضاعي)
الجوع مذل، و الجوع كافر، و الجوع يلسع حتى يردي الناس في أعز ممتلكاتهم، بالشرف، بالكرامة، بعزة النفس، بتركيع الإباء، ببيع الضمائر، باتّباع السيّد، الجوع مقيت و سيّئ، فهو جبّار ييقظ الرقود و يقظّ مضاجعهم، و هو للصغار مؤذٍ، للفقراء قاتل، للمعوزين و المقعدين مذل و متسلط، فالفقير ، أو الطفل الرضيع الذي يتسيّد حكاية النصّ، فإنه يعاني عدم النطق، و هي دلالة القصور، و قلة الحيلة، ناهيك عن المعنى الصريح لها، و هو بحد ذاته عمقا اجتماعيا و حكاية فلسفية، كان من الطبيعي أن أصرخ، يروي لنا كيف يمكن أن يكون المنطق، فالرضيع يصرخ لجوعه، و الفقير يرفع شعارات الاستنكار و الشجب، و سيُلاقى بالإهتمال و الإنكار و التعنيف، مطالبا بحقه الشرعي و الوضعي و العقلي، بتبنيه و احتضانه من قِبَل أمه.!.

الجور الممنهج
(لكنني فكرت بأنني لو أيقظتها ربما ستضربني، بعدها سيزداد صراخي، فيستيقظ أبي ليوبخها، فترد عليه ،يصفعها، فتزعل وتحملني إلى بيت أهلها..)
يفكر الطفل بأن الأم سوف تعاقبه إن هو أيقظها من نومها، و هذا بحد ذاته تفكير سلبي، انعكس من واقع المجتمع العنيف، و الذي لا يعطي حرمة لطفل أو شيخ أو امرأة.
و هو حتما سوف يمارس حقه في الصراخ لأعلى درجاته كأنه يخشى أن يلفت انتباه الأب المتسلط، فتدور عليه دائرة السوء من خلال المواجهة بين السيد و الخادمة الزوجة و الأَمَة الحبيبة، و الجارية المستفرشة، و سوف لن يجني حينها إلّا نفيا و ترحيلا، سوف يسيئ من وضعه، و يتضاعف جوعه.

التنوير
قعود و استكانة تحت تأثير الحكمة..
(فكرت في كل هذا فعدلت عن البكاء، ثم أدخلت الملهية في فمي، وعدت إلى النوم)
يبدو أنه على فقره و هزالة جسمه و تبدد حِيَله، مازال يمتلك عقلا متقدا يمكن له أن يقوده إلى بر الأمان، ففكر و عَدَلَ عمّا هو بصدده، ليكتفي بتلك الملهاة التي اعتاد عليها كل يوم، صبحة و عشيا، فيتعقّل بالسخرية و التلهّي و الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يفتح حربا بين الكبار فيضيع فيها هو لا غير، و يؤاثر العودة إلى النوم، و العودة مفردة حاضرة بقوة، لتقول لنا أن البطل قد أجبر على النوم فأحبه رغما، آخذا بوصاية:
يا قوم لا تتكلموا
إنَّ الكلام محرّم
ناموا و لا تستيقظوا
ما فاز إلّا النّوَمُ!!!!
لغة النص كانت بسيطة، واضحة، ليست هناك أخطاء إملائية أو نحوية، افتقرت إلى التحسينات و الكلمات الغنية و الدسمة بالمعاني.
الفكرة جميلة و واضحة و سلسلة شدّت القارئ و جعلته متابع بنهم.
الحبكة، كان على قدر مسؤول، حيث استرسل النص مأزّما الحدث و الهبوط به إلى قفلة مقنعة غير متكلفة، لولا أن (ربما ستضربني) كانت جملة مجحفة بحق الأم التي تسهر ولا تضرب، و تجوع و لا تجوّع، و تسقم حتى تشفيك؛ و قد ترتب عليها توارد الأحداث بعدها، لكن ما يشفع لقبول الحكاية، هو أخذها على معاني التأويل جنبا لجنب مع المعنى الظاهري للنصَ.
شكرا لكاتب النص، شكرا لجميع أعضاء الرابطة، شكرا للأستاذة نهلاء رعايتها الرائعة لهذا الجنس الأدبي الجميل.

أضف تعليقاً