جاء إلى قبر صلاح الدين، تلمع العينان بشيء كالدموع، هي عادته منذ سنين، مذ وعى الأخبار تبشّر بالهزائم، أسند مرفقه على القبر، تمدّد، علّه يشتمّ عطر الانتصار، علّه يستمع لوقع الحوافر، تلقي درسا في تاريخ العرب كيف تتوحد.. ليس فيها من يخون.. ليس فيها من يبيع الأرض مهما الروح ضاقت بالمكان.. ليس فيها من يهادن حامل الرايات كي يمحي العروبة.. ليس فيها من يصالح قاتل الأطفال.. ومدنس بيت قدس عاشقي ترب البلاد.. ليس فيها من روحه بالغرب تاهت، وتمسّح بعتبات باب نحت شكل الصليب…
و رأى القبر يهتزّ بلا صوت، قد رمى ما عليه من زينة و أحجار ثقيلة، و إذا بالفارس الممشوق ارتسمت في تقاسيم وجهه كل أمجاد العرب .. فانزوى زائر القبر من الخوف بركن يردّد كلمات تصرف عنه الأذى، صاح فيه صلاح الدين:
ــ أيها الزائر، ألا يكفيكم من خوف، واعتقاد في الخرافات القديمة، غيركم حرّر فكره، و تحدى كل قانون المستحيل، و أنتم مازلتم تتباكون على عتبات القبور.
ــ أيها القائد المظفر، لو ترى ما تجرعناه من ألوان الهزائم.. لو ترى أمراء المؤمنين كيف قد حكموا فينا بقانون الفاسقين.. يوم إن حاولنا قول الحق في وجه الطغاة.. يوم طالبنا بحق العيش كباقي المخلوقات.. دفنونا تحت الأرض، أو تحت الركام، في السجون.. في المنافي.. وعلى حدّ البلاد قد نصبناها الخيام، شاهدا على خزي هذا العصر، كيف أن هذه الأرض التي كانت حضنا للغرباء تقذف أبناءها كيفما شاء.. هل علمت أن ” حطين ” نسوها ..؟ و أن أرض المقدس صارت بأيدي عصابة من يهود …؟ و أن…
أدمعت عينا قائدنا المظفر، و صاح: لا تواصل..لا تواصل.. وانحنى ظهر فارسنا الممشوق، وعاد لركام القبر يجرّ رجليه من هول هزيمتنا….
- زائـــر القبـــــــــر
- التعليقات