كانت في صغرها ترسم بيوتاً لألعابها و قصوراً في الهواء. و تبدأ صباحاتِها بزيارة لبيت هذه اللعبة، وردّ زيارةٍ للعبة ٍ أخرى هناك. كلّ يومٍ تبني بيوتاً أجمل من سابقاتها ، تفرشها و تنظفها ،و تستقبلُ أحلامها على أرائكها.
دماغُها منذ صغرها مضطربٌ بفوضى من الأفكار و الرؤى ،و البيوت الجميلة التي تعيدُ بناءها كلّ يوم. راففتْها كلُّ هذه الصّور سنينَ نضوجِها و هكذا حتّى انتحار ِ المدائن ِعلى ضفاف أحلامها. وها قد جاءها اليوم ُ الذي هربتْ من وجعه طيلة َسنتين (سنذهبُ لرؤية الحارة و البيت ) لا بدَّ من ذلك إذاً. هاهي السيارة ُ تصلُ أعتاب َ الحارةِ النّائمة على انكساراتها و وسائد ِ ركامها الذي تسامقَ حتّى السماء.
كلُّ ما رأته لون رماديّ يمتدُّ متّصلاً بين سماءٍ و أرض. السّيارة تدرزُ الطريق َ جاهدةً ،و روحُها تفتّق ُ الجراح َ واحداً فآخرَ. عيناها اللتان سكنهما الأسى و الحنين تبلّلُّ طرقاتِ البازلت و خدّها في آن. وصلتْ عندَ باب الدار، ورغم كلّ القهر وتصدّعِ القلب الذي عانتْه، واحتشاء ِ روحها على طريق جلجلتِها هذه، وقفتْ مذهولة ً مكسورةً.
تكوّرتْ روحُها كجنين ٍ , لمْ تستطع ْ تجاوز َ عتبة الباب رغمَ محاولات شريكها لتشجيعها. أرادتْ أن تحتفظ َبذكرياتِ عائلتها، و أصدقائها و دفءِ ذاك البيت و صوت ِ الموسيقى الذي كان إلى أمد ٍقريب يهدهد ُ المكان. لكنّ الرّكام َ كان عظيماً،لئيماً، هتكَ آخر َ ذكرياتِها والرّوح.

أضف تعليقاً