لازلت أتذكر اول مره قابلت تلك الحادثة، كنت لا اتجاوز الثامنة من عمرى حينها، كنا كعادتي انا ووالدتي نذهب للمبيت عند جدتي يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع، وهذا يرجع الى طبيعة عمل والدى ولكن كانت ظروف عمله تضطرنا في بعض المرات على الذهاب ابتداء من يوم الأربعاء أيضا، وفى احد تلك المرات وبعد ان ذهبنا الى جدتي وقضينا اليوم معها ذهب الجميع للنوم وتوجهت انا الى غرفه الضيافة لأنام على سرير بمفردي كما كنت معتاد، وحينها ولأول مره سمعت صوت نقاش حاد بين زوج وزوجته في الشرفة المقابلة للشرفة المفتوحة لغرفتي وربما هذا يرجع الى ان المنطقة قديمة بعض الشيء والمبنيان متجاوران لدرجه تسمح بسماع اشد الأصوات خفوتا وبدقه، حينها لم استطع ان امنع نفسى من استرقاق السمع لما يدور النقاش حوله.
ولكن اذ بي اجد ان النقاش قد ازداد حده ليصبح مشادة كلامية ثم تطور ليصبح مشاجره يصل صوتها لعنان السماء وحينها وجدت جدتي وقد اقتحمت الغرفة على غره وهى تهرول نحو الشرفة وهى تكرر في خوف “اللهم احفظنا، اللهم احفظنا” ثم انقضت على دلفتى الشباك لتقفلهما بقوه ثم اصطحبتنى من يدى للغرفة التي كانت تبيت بها هي ووالدتي، لا انسى يومها كم كانت والدتي تحتضنني بقوه في خوف لدرجه انى كنت اسمع صوت دقات قلبها وهو يطرق السكون من حولي لدقائق كثيره حتى ثقلت جفوني وسقطت سهوا في النوم، ومرت الأيام والأسابيع واضطررنا للذهاب لنبيت عن جدتي ابتداء من يوم الأربعاء مره أخرى، وحين جاء موعد النوم أصرت والدتي على ان اخلد الى النوم بجانبها مما اثار تعجبي، ففي المرات السابقة التي كنا نأتي بها يوما الخميس والجمعة كانت تتركني انام في الغرفة الأخرى وحدى ولكنها تأبى ذلك في يوم الأربعاء فما السبب. كنت أفكر وانا بجوارها عن سبب ذلك، ما الذي يميز يوم الأربعاء عن اليومين اللذان يليانه وبرغم شده التفكير الذي أرهق عقلي الا إنني يومها لم أستطع النوم وقررت الذهاب الى الغرفة الأخرى لعلى أجد مجلس النوم هناك بمفردي.
وبعد ان ذهب وارحت بدنى على السرير فإذ بي بعد مرور دقائق اسمع شجار الزوجين مره أخرى ولكن تلك المرة لم يأتي احد ليقطع على متابعه ما يحدث، وحينها تعالى صوتهما كما حدث سابقا وتبعه الشجار ثم احتد ليصل الى حد الضرب بالأيدي والصراخ من الزوجة وسط صوت قوى لتحطم عفش الشقة لينتهي الامر بالزوجة وهى تصرخ بأعلى صوتها “هموووت، هموووت” .. حينها ركضت نحو غرفه والدتي وجدتي لأوقظهما وأخبرهما بشأن الرجل الذي يضرب زوجته ليهبا لنجدتها، فاذ بوالدتي تحتضنني بشده وخوف انسياها عتابي عن عصيان اوامرها، فقد كان الخوف واضحا عليها وهي تنظر نحو والدتها التي خرجت سريعا من الغرفة وهي تقرأ بصوت عالي احد المعوزتين بينما تتوجه الى الغرفة المعنية بخطوات حذره.
مرت الأيام وعدنا لزيارة جدتي يوم الأربعاء مره أخرى، حينها وبالرغم من تحذيرات وتهديدات والدتي بعدم تكرار فعلتي إلا انى كنت عاقد العزم على الوصول لحقيقه شجار الزوجين، وكالعادة تسللت بعد نومهما الى الغرفة قبل منتصف الليل في انتظار معرفه ما يجرى هناك وقد كان.
ها قد حان الشجار، ها هي الأصوات تتعالى والعفش يتحطم، ها هي الزوجة تصرخ في زوجها لتناجى بداخله ما تبقى من عقل ووعى لديه ليتركها تحيا، حينها وجدت نفسي اركض نحو الشرفة لأفتح دلفتيها على مصراعيهما لأنظر نحو شرفه الشقة المزعومة لأرى ما يحدث في صمت. حينها وجدت السكون هو سيد الموقف والظلام الحالك كان يكسو المكان بينما كانت احدى دلفتى الشرفة محطمه والأخرى تجاهد لتتمسك بأخر مفصله لها لتظل قائمه.. حينها عدت الى أمي وايقظتها من نومها وصارحتها بفعلتي.
وبعد هدوء ثورتها التي بدأت بصفعي وانتهت باستيقاظ جدتي لتحميني من محاولات والدتي للفتك بي.. قرر الاثنان مصارحتي بحقيقه ما يحدث من غموض واللذان كانا يخشيا على ان أصاب بالزعر ان سمعته ولكنهما قد تبينا البأس بي بعد ما رأيا ما كنت أحاول فعله.
حينها قصت جدتي على قصه الحج “إبراهيم الحلواني” والذي كان متزوجا بسيده ذات سمعه سيئة ومكر كبير كان كافيا ليعمى زوجها عن حقيقتها، حتى جاء اليوم واكتشف زوجها ما تفعله وحين واجهها قوبل كلامه بوابل من التحدي والعناد ووصل الى حد اهانتها له، الأمر الذي لم يتحمله الرجل ففقد اعصابه وانهال بالضرب عليها ووصل الأمر الى خنقها بيديه العاريتين حتى فارقت الحياه، ولم يصدق الرجل فعلته وغاب عنه عقله بعد ان قتل حب حياته ليرمي نفسه من الشرفة ويلحق بها.
حينها أخبرتني جدتي ان تلك الحادثة حدثت في يوم أربعاء بعد منتصف الليل منذ شهرين من الان، ومنذ ذلك الحين ولم يحدث أي شيء حتى ذلك اليوم الذي بدأت فيه الاحداث في الظهور والذي يصادف ايضا يوم سماعي لعراكهما اول مره..
حينها لم اربط الاحداث ببعضها جيدا، ولم يبادر ذهني فكره ارتباط ظهور تلك الاشباح بي او باكتشافي لهما، ولكنى عرفت جيدا ما يحدث من حولي.. خاصه بعد ان اتممت عامي السادس عشر وقد انتهيت من صرف ما يقارب من المائة وعشرون شبح من الذين يزالون عالقين في عالم البشر لسبب ما وعلى اكتشافه.
والان اعذروني فيجب على انهاء الحديث معكم.. فهناك شبح سيده عجوز قلبها معلق بزوجها الذي تزوج مره أخرى بعد وفاتها ولازالت تحبه.. على اقناعها بتركه لحاله والعودة الى العالم الذي تنتمى اليه الان.

أضف تعليقاً