… في طريق عودتنا من المدرسة.. نربط الحبل ـــ الذي خبأناه في الصباح ـــ في فرع الزيتونة الكبيرة المنتصبة على حافة مجرى السيل.. زيتونة الوادي.. كان يتدلى.. يتأرجح في الريح.. تحفر عقدته خطاً متعرجاً في التراب.. ننادي على الجرو الأبيض الذي أقعى خارج الظل.. ينظر إلينا متشككاً.. أخرج كيس الإفطار من حقيبة المدرسة.. أفتح الكيس.. ينصب الجرو أذنيه لخشخشة الكيس.. أضع قطع السردين على الصخرة.. الزيت يسيل من أطرافها.. يرفع الجرو أنفه.. يقترب زاحفاً وهو يهز ذيله.. نضع الحبل في عنقه.. و.. نشنقه..!
نضحك.. نلمسه.. نشهق.. نجعله يدور في الفراغ.. يُصدر حشرجة.. قطرات بوله نقاط داكنة على التراب.. نلتقط حقائبنا على عجل.. نتلفّت في كل الاتجاهات.. ثم ننسلّ مع جرف الوادي تاركين الجرو يتأرجح في الظل.
في اليوم التالي.. معلّمنا يوزع أوراق امتحان الأمس.. كانت مليئة بالتشطيبات الحمراء.. يأمرنا بالوقوف على رجل واحدة إلى جانب السبورة.. وجوهنا للجدار.. من خلف ظهورنا نسمع صوت العصا الرقيقة وهو يجرّبها في الفراغ.. صوتها كالريح العاصفة.
في المساء.. كنت مع الأغنام.. معلّمنا يتمشّى مع الطريق الترابي.. أحسست بوخز في يدي المتقرحة.. يقترب.. أبادره بالتحية.. يتفحص شياهي.. أبتسم:
ـــ انتظر.. نحلب لك شاة.
… يمسح شفتيه بلسانه من أثر رغوة الحليب:
ـــ الله يسقيك من بير زمزم.
يمضي.. يبتعد.. قبل أن يختفي أصيح خلفه:
ـــ يا أستاااااذ.. من وين قطعت العصا الرقيقة الحرّاااااقة؟
يُشير بإصبعه بعيداً ويصيح:
ـــ من زيتونة الوااااادي…!
- زيتونة الوادي
- التعليقات