أمي تلك المرأة الرائعة .. المتكلمة المثقفة عالية الفهم والهمة .. الأمية التي لاتجيد القراءة والكتابة .. علمتني أصول الحكي والسرد .. أخذت عنها الحكمة التي كانت تنساب على لسانها .. أشتاق لحديثها الآن كما لم أشتاق من قبل ..
تعودت محادثتها هاتفيا من بداية غربتي ولمدة ثلاثين عاما .. تطالب أخي أن يهاتفني لوتأخرت عليها بعض الوقت .. قالت له ذات مرة أخيك مريض .. وقتها علمت أنني بالكاد أتعافى من حصوات بالكلى آلمتني لأسبوع قبلها ..
إنقطعت محادثاتنا .. أحسست أن سر إرتباطي بالحياة يكاد ينتهي .. آخر مرة سمعت صوتها .. أخذ أخي يلقنها الكلام .. لم أدرك جيدا كلماتها وهي أيضا لم تدرك صوتي .. كأننا نتعارف لأول مرة هاتفيا ..
حرمني من هذه المتعة هذا اللعين .. توارت حكمتها وحتى كلامها العادي .. إختفوا تماما خلف ستار سميك من النسيان لكل شئ .. لم تعد تذكرني كثيرا أو حتى قليلا ..
أتكون هذه هي النهاية .. أن أحرم من حديثها وأفقد إطمئناني عليها ومنها .. كرهت هذا المرض كما كرهت من قبل امراضا كثيرة .. حرمونا ممن نحبهم ..وأحالوا طيب أيامهم جحيم ..
فليرحمك الله ياأمي دنيا وآخرة .. ويخفف عنك عذابات المرض .. ويجعله في ميزان حسناتك ..
- زيهايمر
- التعليقات