لم يكن يصدّق أن تكون هي ّ ،تمنى أن يكون حلماً أو كابوساً،موقف لا يُحسد عليه ،تراجع إلى الخلف ،شعر أن قدميه لا تساعدانه على الثبات والوقوف، استحال وجهه إلى ليمونة صفراء شاحبة ،الرجفة التي تسللت إلى أصابع يده أطاحت بالأوراق التي كان يحملها لم يجرؤ على رفع رأسه نحوها ،كانت تنظر إليه بعيون فقدت كل تاويل لديه، نظرة طويلة رمقته بها من خلف مكتبها ،زرعت في أمعاءه مغص لم يحتمله، أراد أن يصالب جذعه للاستقامة واقفاً كما ينبغي، لم يفلح ،تعثرت خطواته وهو يجاهد مرغماً على النكوص والهرب من مواجهتها، أحسّتْ باضطرابه، ابتسمت ابتسامة خفيفة مشوبة بألم خفي، أطلقت عليه رصاصة الرحمة:
__تعال؟
استدار نحوها ورأسه ينوء بحمل كلماته اللاذعة ،ولسانه المثقل بعبارات الهزيمة، أراد أن يتكلم ،هربت الكلمات من بين شفتيه ،اختنقت الحروف في حنجرته،تنحنّح
أعاد حركة تنحنحه بافتعال ظاهر ،عادت دبابيس المهانة توخزه من جديد
__تعال.. أعطني أوراقك أخي؟
مد يداً خائرة، الأوراق أصبحت أمام ناظريها، قلّبت أوراقه تنظر فيهما وتختلس النظر إليه بين الفينة والأخرى.. كانت تؤلمه نظراتها، لم يتمنَ هذا الموقف أن يمر به بهذه السرعة،
والآن لا مناص من المواجهة غير المتكافئة.. لوحة المكتب مكتوب عليها _المديرة _رآها تُمضي بقلمها على كل الأوراق، أخرجت ختما من درج مكتبها، أنهت الاوراق واغلقت الملف، نظرت إليه من جديد بعين أفقدته تركيزه، شعر أن الهزيمة في القتال أهون من تلك السهام التي انهارت عليه من كل صوب، حاول أن يستجمع ماتبقى من قوته، أطلق صوتاً مبحوحا شابتهُ رعشة في حباله الصوتية التي كانت فيما مضى تصدح بلا حياء:
__أنا.. أنا..
__لقد آلمتني كثيراً.. كيف واتتك الجرأة أن …
__أرجوك أنا.. قاطعها محاولا أن يزيح جبل الحزن والخذلان عن نفسه المهزومة،_أنا ىآسف وغلطان.. أنا عديم الأخلاق والمروة،
أخرجت منديلاً من حقيبتها ومسحت عينيها، وبصوت يشوبه الألم والمرارة:
__سيارتي الشخصية تعطلّت فجأة، وهذه أول مرة أركب سيارة أجرة خصوصي ..كنتُ أظنك رجلاً شهماً! تحمّلتُ مضايقتك وكلماتك البذيئة ولكن لم أتوقع أن ترميني في الشارع بتلك الطريقة.. سكتت قليلا ثم أردفت:
__لوكان هذا الموقف يحصل مع أختك أو زوجتك، ماذا أنت فاعل؟
__سامحيني أرجوك . أقبّل يداك.. قالها وهو يدفع جدار الخيبة بعيدا عن وجهه الذي استحال مستنقعا للتعرق والدموع،
___على كل حال، اكتملت أوراقك، اذهب إلى الحسابات في نهاية الممر لتتستلم القرض الأول، واذا احتجت إلى أيّ مساعدة.. أنا في خدمتك .
حمل أوراقه، وبخطى متعثرة، خرج من غرفة مكتبها وهو يشهق بعبرة محبوسة في أعماقه..سمعتها هيّ من بعيد، ابتسمت ..تمتمت بخشوع ورضا عميقين:
__الحمد لله .

أضف تعليقاً