كان في تلك الليلة ينام في فندق سارة الصغير المختبئ في أحد الأزقة القديمة لمدينة يافا المحتلة .. التي تحرس البحر المتوسط بعدما كانت عروسه .. كان العمال المنهكون يُلقون بأجسادهم النحيلة المتعبة على الأسرّة القريبة المتهالكة، فيروحون في سبات عميق حتى الصباح .. ثمّ تقوم الأجساد المستريحة في دورة جديدة للبحث عن الرزق .. كانت وفود العمّال القادمة من مدينة غزة وغيرها من المدن الفلسطينية المحتلة تتزاحم على موقف أبو رجب للعمال .. وقد التصق هذا الاسم لمكان وقوف العمال ببيّارة حمضيات كانت قبل الهجرة ملكًا لفلسطيني يدعى أبو رجب .. أُزيل سياجُها بعد الهجرة وأصبحت مكانًا عامًّا : فهي حديقة وملتقى للمتحابّين ، وهي استراحة للمتعبين . ومكان عام يلتقي فيه أصحاب العمل مع الباحثين عن لقمة العيش.. وكان جميع العمّال في هذا المنتدى يدّعون الكمال .. فكلّهم بنّاء .. وكلّهم حدّاد ، وكلهم نجّار ، وكلهم يتبنّون جميع الحرف والمهن والصناعات ؛ وإلّا سيعودون إلى بيتهم في المساء يدٌ في الأمام وأخرى في الوراء .. وكان كثيرًا ما يحلو له بعد ضغط العمل .. أو في الأيام التي يفقد الأمل فيها من إيجاد عمل ؛ أن يتسكع في الحواري العربيّة القديمة لمدينة يافا التي يطلّ منها التاريخ بعبقه .. والتي يجلس أهلوها على درجات أبوابها يتناقلون النظر والأحاديث .. والتي أصبح الاختلاط بين الجنسين من سمات الشخصية الفلسطينية​ نتيجة الاحتكاك بالمحتلًين من اليهود .. كان يلفت انتباهه محلاتُ البقالة الصغيرة ذات الأسقف المنخفضة وثلاجات العرض المزدحمة بما لذّ وطاب من المرطّبات والألبان والأجبان والمشروبات بمختلف الأشكال والألوان .. كان يستمتع وهو يحاول أن يتذوق بعينيه ما تشتهي نفسه .. وإن كانت تميل إلى أشياء كثيرة لم تكن تزدان بها ثلّاجات البقالة في شوارع غزة ..ولم تكن دخولهم المتواضعة تجرؤ على النظر إلى هذه الأصناف .. كان يلفت انتباهه حديث الجميع رجالًا ونساءً بلهجة واحدة هي لهجة الآل .. رغم أنّ عائلته تتحدّث هذه اللغة .. لكنه وإخوته الذكور يتخاطبون بلهجة خشنة اكتسبوها من أهل المدينة ومن الجيران .. كان مايزال في المرحلة الابتدائية وهو الآن في الإجازة الصيفية يقضيها مع أخيه الذي يكبر من يكبره في رحلة عمل داخل المدارس العبرية يقومون بتجميع أوراق الشجر المتكوّمة في الزوايا استعدادًا لبدء عام دراسي جديد .. وإذا ما حلّ المساءُ تسرّبوا في الأزقّة المؤديّة إلى فندق سارة الصغير .. وفندق سارة هذا اقتبس الاسم من سارة العجوز السمراء صاحبة البيت وصاحبة الصوت الأجشّ الذي هو أقرب إلى صوت الرجال من صوت النساء .. والغريب في سارة هذه العجوز التي ضربت في الأرض : أنّه نبتت لها لحية متعثرة الشعرات .. كانت أحيانًا تتكئ على عصًى غليظة وقصيرة .. تجالس الرجال وتجاربهم في الحديث .. كانت تدّعي أنّها من العراق من بغداد .. وكانت تلعن اليهود الذين أتوا بها إلى هذه البلاد تاركة وراءها زوجها .. الذي رفض رجاءها بأن يتبعها .. كانت تربط بغداد بأيّام شبابها وأمجاد الجمال الذي ما زالت تتباهى به .. كان الطفل يعلم أنّها كالعمّال تتقن جميع الصنعات .. ولكنّه لم يصدّق أنّ هذه العجوز الشمطاء كانت في يوم من الأيام كما تدّعي تهزّ الشارع تشرئبُّ لها العيون ، وتنحني لها الشوارب والرقاب .. كان أحيانًا يشعر أنّها بشريّة وذلك حينما تتساهل في الأجر مع أحدهم لأنه لم يرزق في هذا اليوم .. وربّما تكفّل أحدهم بدفع أجرة زميل السكن ممّا تبقّى معه من أجر اليوم السابق طلبًا للثواب والأجر من الله .. ولعلمه أنّ يومًا له ويومًا عليه .. وأنّ كلّ شيء سداد ودين .. كلّ هذا يذكره ويذكر أشياء كثيرة أخرى .. يذكر كيف كان يقف بلباسه المكويّ في الجانب البعيد من العمّال بعدما أنهى دراسته التربوية في معهد دار المعلمين برام الله .. وكيف أنّ عربة فارهة توقفت إلى جواره وطالبه صاحبها بالركوب ، واتّفقا على العمل بأجر جيّد لم يكن يحلم به .. ممّا جعل أحد المواقف تتداعى له عندما عمل مع أحدهم ثلاثة أيام متواصلة دون أن يحصل على الأجر حتى يومه هذا .. حاول طرد هذا الخاطر وإلّا فلن يعمل أبدًا .. كان صاحب الظل يُدعى يوسى اختصارًا ليوسف الذي لم يكن يراه إلّا حينما هو يريد .. وكان العمل في الفندق بسيطًا وسهلًا .. يحتاج سلاسة وليونة في التعامل مع الواجهات الزجاجية المطلوب تلميعها .. أو للمكاتب المراد تنسيقها .. هذا العمل يحتاج إلى أيادٍ ناعمة .. فلماذا وقعت عين يوسي عليه لهذا العمل ؟ هل لأنّه كان شابّا ؟! ربّما لأنّه كان أنيقًا ..ربّما وربّما لن يأخذ الأجر مثل من سبق .. وخاصّة أنّه لم يكن يراه إلّا فيما ندر .. وجاء يوم الجمعة ويده على قلبه .. عندما انتصف النهار ناداه مُثنيًا عليه وعلي إخلاصه في العمل مع زيادة في الأجر لما تمّ الاتّفاق عليه .. أعطاه شيكًا مما جعل الفأر يلعب في ظنّه .. وطلب منه أن يصرفه من البقالة في أسفل الفندق .. نظر خلفه فربّما سيهرب ولن يراه بعدها أبدًا .. نزل بخطوات ملهوفة وقدّم الشيك للبائع فنقده إيّاه مع حبّة شيكولاتة .. إذًا ليس كلّ اليهود لصوص . . ليس كلّ اليهود لصوص يسرقون ؟؟! .. لطمه عارض أفاقه من غفلته : بل كلّ اليهود لصوص يسرقون . وينهبون . ويعتدون . ويقتلون .. وَ أليست هذه بلاده وبلاد آبائه وأجداده ويعمل فيها أجيرًا يُلمّع الزجاج للأغراب المعتدين .. أشاح بوجهه وزفر زفرةً ونفخ أوداجه وألقى بقطعة الشيكولاتة على طول المدى . . وتحسّس النقود في جيبه .. وركب الحافلة المنطلقة تجاه غزّة الحبيبة .. وفتح النافذة الزجاجيّة ؛ فقد باتَ يكرهُ أن ينظر من خلف الزجاج..

أضف تعليقاً