البيت عند زاوية الحي يعرفه الجميع. إنه لأرملة عجوز طيبة القلب معروفة بحسن الخلق. فارقها زوجها وطفلها مازال صبيا. وهو بيت لا تقع العين فيه على أي شيء مرتفع الثمن يسوّل السرقة.
البيت على عهده، هاديء ساكن، لذا لم يشعر بأيّ شيء مختلف، رغم أنه يراه للمرة الأولى بعد غياب عامين كاملين.
فتح الباب بتؤدة بعد منتصف الليل، فطالعه الممرّ الطويل المفضي الى الباب الداخلي، فيما تقوم غرفتان متقابلتان كانت احداهما غرفته أمّا الثانية فتنام فيها أمّه. ورغم طبعه الجاف أحسّ برغبة جارفة في البكاء، ورغم تصلّبه لم يستطع كبح دموعه.
كان “حوش” البيت معرضا لذكريات عزيزة على قلبه. كان يعيش فيه سعيدا. ولم يكن هناك ما يدعوه إلى الخروج عن طوق الأسرة، غير أن رفقاء السوء لم يتركوه؛ وسرعان ما تعثّرت قدمه بمسالك وعرة، كانت نتيجتها أن عدّ من أهل السوابق!.
هو يشعر برغبة عظيمة للقاء أمّه، لكنه يخشى هذا اللقاء، ولا يزال يتذكّر آخر لقاء بينهما حين تركهما الشرطي لوحدهما، مصوّبا له نظرة تأنيب أن ترك أمه المريضة تعاني ما تعانيه لكي تراه.
ألقى بنفسه في حضنها، لكنها تمالكت نفسها، محذّرة اياه من غضبها. وطوال عامين لم تزره ولم تسأل عنه حتى. لكنه عاقد العزم هذه المرّة على التوبة ولابد من رؤيتها والتمرغ على رجليها حتى تغفر له.
فتح باب الغرفة، ووصل إلى سمعه صوت أمّه وهي تسبّح الله تعالى. كانت على سجادة الصلاة تحرّك حبات المسبحة بهدوء. هم بأن يقذف بنفسه عليها، لكنه تراجع، وخرج صوته مختنقا بعبرته…
– كيف أنت أمي؟.
لم تنطق بكلمة ولم تلق اليه بالا. أعاد السؤال فلم تلتفت اليه. طالعها بعينين حوّلهما السهر الى بركتين جافتين من الماء…
– أمازلت غاضبة مني؟ أقسم أني جئتك تائبا.
لكن أمه لا تزال في تسبيحها…
– ألم يخبروك أني سأخرج من السجن هذا اليوم؟، ألم تشتاقي للقاء ولدك؟
لكن أمّه لم ترد. ألقى بنفسه على قدميها منتحبا، فانتبهت وبدأت بالتلفت يمينا وشمالا وهي تصيح:
– أم جاسم، أم جاسم.
دخلت امرأة مسنّة الغرفة فزعة واحتضنت العجوز. التفتت إليه فوجدته مسندا ظهره الى الجدار، تكاد عيناه تخرجان من حدقتيهما. عرفته على الفور فطالعته بعينين غاضبتين.
– منذ متى؟
– منذ آخر مرّة زارتك فيها، رجعت الى البيت كما تراها، لا ترى ولا تسمع.
سقط إلى الأرض في أعياء، وأخذ في البكاء، كأشد ما يكون.

أضف تعليقاً