يوم الثلاثاء ؛ هو اليوم الذي لايعجبه دائما ؛ عادة مايسميه اليوم المشؤوم؛ فقَدَ فيه والدته ؛ وفارقته أروع إنسانة عرفها؛ عندما يأتي هذا اليوم يتدثر بغطاءه الشتوي؛ ويرقب الشمس من شباك النافذة مختفيا بستائرها؛ يلازمه التَوحّدْ طيلة هذا اليوم؛ لايكلم أحدا؛ لا يأكل؛ لايشرب؛ بل يتعاطى السيجارة تلو الأخرى ليسبح في دخان غربته وجنونه؛ أشياء كثيرة تذكره بوالدته التي لم يلبث معها غير سنين عددا ؛وحين اشتد عظمه ونضج عقله لم يجدها؛ فمد يده إلى ظلمة قاتلة؛ تسلّمتها تلك الفتاة الجميلة لتنتشله من غياهب الحزن وراحت ترفُلُ به عمرا جديدا؛ أيقظته من الشرود والضياع ؛راقصته إلى آخر نقطة من المعمورة ؛ سلّمته ريح عشقها ؛ وأحلامها الصبيانية؛ حققت معه الكثير من لأمنيات التي حسبتها ذات يوم باهتة فقط؛ أنسته فراق والدته الموجع وغرست فيه زهرة عمر جديد سقتها برحيق غرامها وعشقها السرمدي الشجاع الذي تحدت به العالم؛ ظلّ طفلا صغيرا يقتات من عطفها ويلبس من حُلَيْ إبتسامتها ويرتشف من فنجان عمره الذي أينع بوجودها كما يرتشف ذلك الجالس على شرفة منزله…
لكن لم يكن سعيدا إلا ليشقى بقية العمر؛ كانت الأيام تنافسه عُنوة على السعادة؛ لتقتص من عمر حبيبته المزهر فتداعب جسدها الممتلئ بأخاديد الحب والسعادة تبحث عن علّة تقعدها الفراش؛ فتلون وجهها ومال جسدها الجميل إلى النحافة ؛ أصبحت هزيلة تذروها رياح الحياة إلى عالم آخر…
رحلت ذات ثلاثاء كما رحلت والدته؛ لازال متدثرا بغطاءه الشتوي ذاك؛ تشابهت أيامه ولياليه؛ عانقها في السماء السابعة ورحلا سوية إلى الرفيق الأعلى…

أضف تعليقاً