قفي في مكانك ..لا تتحركي.
قالت المراقبة المصاحبة للنزيلة الجديدة، وهي تضع أوراقها أمام موظفة الاستقبال، التي لم تكلف نفسها عناء النظر إلى النزيلة الجديدة، واكتفت بمخاطبتها بصوت فاتر من وراء كتاب تقرؤه:
-أنت …!
لم تنتبه النزيلة لصوت الموظفة، وانشغلت بالتحديق في غلاف كتابها؛ سطح أسود تطل منه صورة امرأة بملامح غائمة تشبهها، من الأعلى دم أحمر قان يقطر من مدية مشكلا عنوانا بحروف بارزة ” أنا القاتلة”.
كانت المراقبة تحاصرها بجسمها القوي، دفعتها بكتفها، فتقدمت قليلا إلى الأمام، مقتربة من الحاجز الرخامي الذي يفصلهما عن موظفة الاستقبال. طرحت الكتاب جانبا، وسحبت بأطراف أصابعها الأوراق الموضوعة أمامها. تفحصتها على مهل، ورفعت بصرها نحوالنزيلة الماثلة بين يديها، تنبهت إلى أن وراء ملامح وجهها الصارم تختفي أنثى جميلة وذكية، أمرتها بصوت غليظ: – ضعي أمامي كل ما معك.
شرعت في وضع ما كان بحوزتها وهي تردد بصوت في نبراته قوة:
– ساعة مذهبة هدية من زوجي في عيد زواجنا الرابع، خاتمان ذهبيان أتذكر جيدا اليوم الذي ألبسنيهما، قلادة من الفضة الحرة إرث عائلتي سأنقلها بدوري إلى ابنتي، محفظة فيها أوراق واقلام، وبعض القطع والأوراق النقدية.
حين كانت موظفة الاستقبال تدون معلوماتها،أثارت انتباه النزيلة رشاقة القلم بين أناملها كأنه فنان ماهر يؤدي رقصة بديعة فوق صفحة جليد ناصع.
أخضعتها المراقبة لتفتيش دقيق. تحت نظرات موظفة الاستقبال التي يبدو أن ما يجري لايثيرها. دفعت لها الورقة وهي تردد بفتور كأنها تكلم نفسها:
-تأكدي من صحة المعلومات، ثم وقعي.
تركت النزيلة الورقة في مكانها، وأخذت تقرأ المعلومات بصوت مسموع:
– الإسم: جميلة عمران
– السن :49 سنة
– المهنة: باحثة في مختبر علمي
– الزوج: ….
بدأ صوتها يتهدج وشفتاها ترتعشان .حركت موظفة الاستقبال قدمها اليمنى وقربتها من زر ستضغط عليه إذاما لزم الأمر ذلك.
تابعت بصوت خافت:
-الأبناء: ….
توقفت تماما عن القراءة، تسمرت في مكانها، وطفق جسدها يرجف، أمسكت المراقبة يدها المرتخية،مررت إبهامها فوق المداد وبصمت بها على الورقة.
تحركت موظفة الاستقبال نحو الداخل بخطى وئيدة وحملت معها عدة النزيلة ؛ لحاف، وبطانية، ووسادة وكسوة من ثوب خشن. حملت المراقبة العدة ووضعتها فوق ساعدي النزيلة الممدودتين أمامها، تقدمت المراقبة بخطوات عسكرية، وانطلقت النزيلة خلفها كالمسرنمة … أشارت لها فتوقفت. فتحت المراقبة باب الزنزانة رقم 56 أعانتها حتى ارتدت كسوة النزيلات. أحكمت إغلاق الباب. و رجعت أدراجها. وضعت ثياب النزيلة أمام موظفة الاستقبال، سلمتها أوراقا وقعت عليها، وتركتها غارقة في قراءة كتابها.
ها أنا ذي وحدي بين أربعة جدران، دائما يلازمني هذا الشعورأينما كنت .. بعد مرورلحظات، بدأت الغشاوة تزول عن عيني. تتبدى لي بالتدريج تفاصيل المكان ومكوناته. مساحة ضيقة جدا، جدران عليها خربشات، وحروف، ونقوش، وفي أعلى الجدارالمقابل للباب كوة ضيقة بها قضبان حديدية منها ينفذ الضوء والهواء. على الأرض توجد مرتبة بدون سرير. ألقيت عليها اللحاف والبطانية والوسادة. وفي الركن مرحاض وصنبور ماء.ألقيت بجسدي على المرتبة…
إلى هنا مازلت منتشية بتحكمي في كل الخيوط …
كنتُ جالسة بين أوراقي التي أودعها حلمي الجميل، أحضرزوجي صغيرتي من كليتها. حالة تماه تام كانت تسيطر علي. لا أتذكر هل كلماني …ما وقر في كياني الفاقد لكل علاقة بالخارج،هو وجه طفلتي الحزين …
بدأت الأمور تتشابك،أحسست ببعض الخيوط ترتخي وكأنها توشك أن تفلت من يدي. ابنتي وزوجي …
ابنتي…
فلأبحث عن اتجاه آخر.. هذا خط أحمر لن أتجاوزه.
أحس كأني فقدت البوصلة؛ وهذا ما كنت أخشاه… كل ما خططت له في البداية صار ضبابيا أما م ناظري. فكري يكاد يشل. ماذا عساي أن أفعل الآن؟ هل أتوقف هنا وأقبر الفكرة إلى الأبد وأعيش بلا حلم ؟ أو أتركها حتى تختمر واتمثلها ثم أتابع بعدها عملي؟ أو أتابع عملي مع تعديل المسار استجابة لما تتيحه الأمور المستجدة؟ يجب أن تأخذ الأمور مسارا طبيعيا تماما. بدأت التجربة وأنا ملتزمة بقواعد اللعبة. ملاحظاتي كانت منسجمة مع مسار الأحداث. تجربتي حددت لها الأسباب والنتائج. أعرف بوضوح المسلك الذي علي السير فيه للوصول إلى نتائج تتماشى مع منطق الأشياء. كانت الخطة واضحة حتى صرت أرى الوقائع ماثلة امامي بكل تفاصيلها. لكن خللا ما وقع في مسار التجربة فتعثرت. فبات، ما كنت اعتبرته في البداية فرضية تنسجم مع منطق الملاحظة، غير ملائم…
أنا بطبعي عنيدة. رؤسائي يعرفون عنادي،لذلك كنت محط ثقتهم. لن أخيب ثقتي في نفسي. أنا في مرحلة الملاحظة ووضع الفرضيات. إلى هنا كان كل شيء على ما يرام. ماكنت اقترحته بيني وبين نفسي كنتيجة منطقية بدت لي الآن غير مقبولة. لا تتلائم ومنطق الواقع وما تتطلبه الوقائع.
كانت موظفة الاستقبال غارقة بين سطور كتابها متابعة باهتمام متزايد الأحداث التي بدأت تتشابك وتتعقد،وصلت إلى مرحلة الذروة. بالرغم من كونها تعرف نهاية الأحداث لكنها تصر على متابعة التفاصيل والجزئيات. وتتساءل كما تساءل القاضي وقبله المحققون وبعدهم الرأي العام ؛ كيف يمكن أن يحدث ذلك بمثل تلك الفظاعة؟!
كانت قاعة المحكمة مكتظة بالمحامين، ورجال الشرطة، والصحافيين، ورجال القانون…
دخل القاضي ومستشاروه وأخذ الجميع مكانه . عم الصمت القاعة ، فأمر القاضي بمثول المتهمة أمام عدالة المحكمة. كانت هادئة تمشي بخطو وئيد مكبلة اليدين،تحيط بها شرطيتان. بعد الإجراءات الروتينية ، سأل القاضي المتهمة:
– هل تؤكدين ماورد في اعترافاتك التلقائية أمام الضابطة القضائية أثناء تحقيقها معك؟
تطلع الجميع إلى وجهها الذي ظل محافظا على هدوئه صرامة ملامحه.
تدخل القاضي مرة ثانية :
-هل تقرين بالمنسوب إليك؟
– ظلت صامتة، بلا حراك..
عاد القاضي لطرح السؤال بصيغة أخرى:
-هل أنت مذنبة؟
تململت قليلا،كأنها سمعت صوت القاضي لأول مرة. حركت شفتيها ونطق لسانها بالاعتراف الذي صدم لجميع:
-أنا القاتلة…
رن الهاتف، فتوقفت موظفة الاستقبال عن القراءة. أخذت السماعة بسرعة:
-ماذا هناك؟
– نزيلة الزنزانة رقم 56
-ما بها؟
– تصرخ بحدة وتضرب الباب بعنف.
-ماذا تريد؟
-تصرخ في هستيريا… قد تؤذي نفسها.
-علم، سأرسل المدد بسرعة…
اتصلت بقسم الطوارئ، وعادت إلى كتابها.
تابعت المتهمة اعترافاتها:
-كانت الأحداث تسير وفق الخطة التي رسمتها في البداية،لكن طارئا لم يكن في الحسبان غيرالمجرى الطبيعي، كتاباته وأفكاره هي التي جلبت لنا كل المشاكل؛ ابنتي مستها نتائج أفكاره مباشرة. لمزها أحد أساتذتها وهو يلمح لأفكار أبيها متهما إياه بالإلحاد…وهكذا أصبحت صغيرتي مثار سخرية زميلاتها ومضايقات الجميع. انقدحت الفكرة في دماغي أن أتخلص من أفكاره التي لم تعجبني منذ أن أكتشفتها. أعددت مركبا لايترك أثرا، مفعوله يوتي نتائجه بعد ثلاثة أيام. وضعت في عصير برتقال كمية لن تظهر في التشريح . وذهبت إلى عملي .كانت ابنتي في كليتها. لكن الأحداث جرت خلالفا للمتوقع. مغص شديد ألم بها اتصلت به، لم يكمل شرب عصيره، أسرع فأحضرها إلى البيت، شربت دواء مهدئا للمغص مع ما تبقى من كأس أبيها…
حضر مسؤولان من قسم الطوارئ،أعطتهما موظفة الاستقبال معلومات عن الحالة التي من أجلها استدعتهما،انتقلا إلى عين المكان…
كتبا في تقريرهما الذي سلماه لموظفة الاستقبال التي ماتزال غارقة في القراءة:
-النزيلة 56 تطلب بألحاح هيستيري أوراقا وقلما،لأنها اهتدت إلى فكرة تريد بها تعديل مسار أحداث روايتها (أنا القاتلة) لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. أعطيناها حقنة مهدئة . حالتها صعبة يجب الاسعجال بعرضها على طبيب الصحة العقلية.
قال محامي المتهمة في ختام مرافعته: نلتمس من عدالة المحكة أقصى درجات التخفيف،لأنه لولاها، لاستمر الاعتقاد بأن ما وقع كان عاديا…وأدعو إلى عرض موكلتي على الخبرة الطبية لأنها لا تميز بين واقع وخيال …
- سرنمة
- التعليقات