خمسة و خمسون سلمة الى اسفل ، هو ما ينزلهم عبد السميع يوميا ليصل الى شارعه و منه الى بيته .. حيث الحى الذى يقيم فيه ، و الذى انشىء تدريجيا من خلال القادمين من الاقاليم و المهدمة بيوتهم و المهمشين القادمين من اعماق الصعيد للمدينة كلهم اجتمعوا على تلك الارض المستهلكه رملها و حجارتها التى تم استخدمهما للبناء عبر سنوات طويلة و التى تركت بعد تلك السنوات مجرفة منخفضة عشرات الامتار عن مستوى الشارع العام و لتكون بركة ماء كبيرة تم تجفيفها لاحقا بيتا تلو اخر ..ليتم بناء عليها شىء فشىء ذاك الحى العشوائى الذى يقيم فيه عبد السميع ،
كان جيران الحى اعتادوا رؤيته عبد السميع يوم الجمعة قد وضع تحت ابطية الايمن كراسة كبيرة عليها شعار الحزب ..واضحة جلية و رمزه و كلامات عن العدالة و مرعاة الفقراء … هو يمشى بسرعة و ثقة مخترقا الشارعه الى السلم صاعدا الخمسة و الخمسون سلمة الى الشارع العام ، و قد بدا على وجه علامات الجدية و الصرامة .. ه و بنفس المشية المسرعة الصارمة ينزل تلك الخمسة و الخمسين سلمة الى الحى و يمش فى شارعه و ليدخل بيته .. فى بلكونة بيته شعار اخر للحزب كبير يدعم فيه مرشح الحزب المنتخب عن المنطقة مبتسما ابتسامة الساسة و قد علا راسه شعار الحزب و كلمات حول المستقبل و السعادة ومرعاة الفقراء …كان الجميع يدرك ان يوم الجمعة هو موعد اجتماع الحزب الاسبوعى و ان عبد السميع متجه لحضور الاجتماع الاسبوعى للحزب و رغم ان لا احد يملك الجرئة ليساله الا ان كل شىء كان يجيب عما يتسأل الناس عن
كثير ما وقفوه اهلا الحى لكى يطلبوا منه ان يطلب من المسئولين ادخال الماء النظيف او الصرف الصحى للمنطقة .. او وظيفة لاحد الابناء او كى يحملوه شكوى ومكتوبة للسيد رئيس الحزب .. كان يبتسم فى هدوء وعدا لهم ان يحقق ما يطلبوه منه ,,, و دائما لم يتم تخقيق الوعود فسخط الكثيرين منه و من حزبه … و شياء فشياء اصبح هو يمثل الحزب الذى يوجد و لا يوجد و يعد و لا يفى .
اما الناس فى المقهى فقد كانوا يتحدثوا عنه انه كدرا مهما فى الحزب الحاكم ، اقسم الريس عويضة بطلاق من نساءه الثلاث ان عبد السميع هذا مكلف بتحسس اخبار الناس فى الحى من جهات اعلا من الحزب ..و انه على الرغم من كونه موظف صغير فى الارشيف التموين الا ان له وضعا استثنائيا فى الحزب ، لذا كانوا يعملوه باحترام مشوباً بالمهابة ، تلك الهيبة التى تغلف اصحاب السلطة و السلطان .
اخباره تلك انتقلت الى حيث يعمل ، و على الرغم من انه ظل فى الارشيف الا ان الاقوال بدات تنسج حوله.. بانه عين الحزب على ما يحدث فى وزارته ،،و انه افنى عمره فى هذا القبو حيث ارشيف التموين لكى يكون قريب من هماسات الموظفين ، الذين اصبحوا حرصين فى التحدث” امام عبد السميع ” اما رؤسائه بالعمل فأصبحوا حرصين على الراحة التامة لسيد المحترم عبد السميع بيك .. فالجميع يعلم ان هناك مكان محجوزا فى الجحيم خلف الشمس لمن يعارض الحزب و رجاله ..
مضت سنوات طويلة حتى بدا ان الحزب لم يعد قادرعلى الحكم و قد ناله الضعف فثار الناس و هاجوا على الحزب الذى تخلى عن الحكم .. هناك اتسعت شهية القهورين للانتقام من الحزب فلم يجدوا بقرب منهم الا عبد السميع الذى وجد نفسه يمر فى شارعه و يسمع تعليقات ساخرة و عدائية على الحزب ..من شباب الحى و شيوخه تتصاعد شىء فشىء ليجد نفسه..قد القى عليه ماء اسن من احد البلكونات وسط زغاريد نساء الحى ،،، لقد حققوا اخيرا انتقامهم ….من عدم وفائه باى عهد من تلك التى قالها لهم سواء هو او حزبه .,,,,ثم احيط به امام القهوة من الشباب الغاضب على الحزب الذين كادوا يفتكوا به …
هنا افصح عبد السميع عن سره الكبير لاهل الحى بينما يتصارع مع دمعه على ان يبقى فى مقلتيه:
ـ انا لم اكن يوما عضو بالحزب ..و لا حتى اعرف مكان الحزب او احد من رجاله انا فقط كانت خائف ..حيث لا عائلة لى لا سند او مال و لا حماية و الناس تخاف و لا تختشى لذا فانا اختراع هذا الموضوع لكى يبعد شر الناس عنى …فقط اضع كراسة من كراسات الحزب كى اوهم الناس انى احضر اجتماعات الخزب يوم الجمعة فقط كانت اذهب الى المقابر كى ازور امى و ابى سويعات و ارجع … ثم انى لم أذى احدا او استغل احد و اضر احد ,,فقط كانت اريد اعيش بكرامة تلك التى تمنحها الهيبة و مهابة الكبار المتنفذين
هنا تركه الشباب .. و ليبتعد دمع العين … وحيدا ..
لكن بعد سنوات عاد الحزب القديم مرة اخرى فى صورة جديدة … و اختفى الشباب الثائر من الحى بعضهم رحل عن البلاد لغير عودة و الاخر غيب خلف الشمس.
و عاد الناس يتهامسون حول عبد السميع .. كيف خدع الجميع و انكر اتصاله بحزب فى لحظة ضعف الحزب مدعيا تلك الحاديث الكاذية و مستغلا للمشاعر الناس الساذجة .. كيف هو استغل هذا فى ان يقدم معلومات حول المعارضين للحزب .. و كيف عاد مرة اخرى ليكون عضو مهم فى الحزب ..
و على ارغم من ان عبد السميع لم يعد يضع تحت ابطيه كراسات عليها شعار الحزب .. و لم يعد يتكلم عن الحزب الا ان الجميع صار اكثر خوفا منه و رعبا ..و كان هو سعيد للغاية بهذا ..
اصبح عبد السميع الغامض المهيب الان يجلس يحتسى القهوة فى هدوء فى المقهى الحى وسط الاحترام الممزوج بمهابة من الجميع .. لقد ادراك اخير ان من عاشوا و تربوا مقهورين دائما ما يحبون الضعفاء و لكنهم يطيعون الاقوياء و ان الجحيم هو ان تكون ضعيفا فى هذة الحياة و ان الناس هم من يخدعوا انفسهم و يقهرهم خداعهم لانفسهم
- سر عبد السميع
- التعليقات