تتجلى سطوة الفكرة عندما يصبح الهدف الأساسي للكاتب هو إيصال رسالة (فلسفية/سياسية/اجتماعية) على حساب بناء قصة عضوية، مما يحوّل النص إلى استعارات مفرطة أو خطاب مموّه بقصة. يحدث ذلك عندما تكون الكتابة “من الرأس لا من القلب”. فالكاتب يبدأ بفكرة مجردة، ثم يصنع أحداثًا لتوضيحها، بدلًا من خلق شخصيات حية تنتج الأفكار عبر تجاربها. والرغبة في ضمان فهم القارئ للرسالة تدفع الكاتب إلى التصريح المباشر بدلًا من الإيحاء عبر التفاصيل.
سوء فهم “الاقتصاد في اللغة”
إضافةً إلى ذلك، هناك فهم خاطئ لدى الكثيرين لمفهوم الاقتصاد في اللغة. ففي القصة القصيرة جدًا، يظن البعض أن “الكثافة” تعني حشو الاستعارات المتشظية بلا أدنى ربط عضوي. الكثيرون، ومنهم كتاب مخضرمون، نقع تحت تأثير سطوة الفكرة، فنعتقد أن الكاتب مثل المزارع: ما عليه إلا أن يتولى حبة القمح بالرعاية والسقاية حتى يحصل على سنابل. لكنه في النهاية سيحصل على نفس ما زرعه، أي حبات قمح.
الكاتب “خباز” لا “مزارع”، والقصة تكون نتاجًا لشخصيات فاعلة تمتلك قوة الفعل وصنع الحدث. والكاتب الحقيقي أشبه بالخباز؛ عليه أن يحوّل القمح إلى طحين، ويضيف إليه الماء، والملح، والسكر، والخميرة، ومكونات أخرى إن لزم. ثم يعجن ويخلط بشكل جيد، بعدها يترك العجينة لتختمر في مكان دافئ لفترة طويلة. بعد ذلك يدخلها إلى فرن بدرجة حرارة مضبوطة ليحصل على منتج جديد هو الخبز.
فالكاتب خباز وليس مزارعًا، وعليه أن يبدأ بـالسؤال لا بالجواب. فالفكرة العظيمة لا تكفي لصنع قصة عظيمة، بل الطريقة التي تهبطُ بها الفكرة إلى الأرض وتصير دمًا وعظامًا.

أضف تعليقاً