تغلغل صدى صوتها، يحنو من بعيد؛ ببحة تحاكي سعالا خافتا لافتا شاذا؛ يتواري كالمارد في الوجه الدامس للقمر و هي بنت الاربعين خريفا؛ ههههه اجل خريفا ذاك قدرها، كلما زعمت ان تنسج في ظلمات ربيعها سنة جديدة أخرفت عكس ما توقعت،
اعرفها جيدا بل و تعرفني كما الحمالات البادية اسفل ذلك الجيد ان سالتها عن لونه، شذوذ كبير يعتريني حال اراها، و هي تحاول جاهدة لملمة الورقة بالمداد الاسود سواد عيشها اللئيم، تحاول كتابة نثر او شعر او حتى خربشات، عهدتها هكذا لطالما ركنت إلى الماضي السحيق؛ نتافس شيطانا؛ او تغتال جنيا لتخرج مبلّسة منتصرة على الخريف الذي لا يمطر في حياتها، ولا يسعه ذلك بل تشتد اعاصيره فلن تجد العيون المخملية الفاجرة بدا سوى ان تحل محل الغيوم التي جفت منابعها، و جحدت الزمان و المكان، بل و يبتل الكرسي الحجري الزهري الذي يإن و الذي اضحى اشهب اللون عدا تلك البقعة التي تحمل اردافها و تسعد بذلك كسعادتي و انا ارقبها كل يوم في الحديقة العامة و الكرسي خاصتها .
تقف لأقف، ما ان جلست اجلس، كل شيء بحسبان و انا ذلك الفتي الديسمبري، الذي يعشق الشتاء و مقوماته؛ من طول ساعات نومه و قصر حياته و اطباق الدوبارة* التى تلسع حلقي بفلفلها و تذيب جليد النفس فوق ناصيتي ، التي فاقت الشبر طولا، و الذي يرغب في عضها من كل موضع لعلي أُرسَل للنهايات بلا رجعة المهم ان آخذ معي قضمة من وجنتيها او خصلة من شعر ابطيها او قشرة من فروة رأسها او حتى…..لا يهم .
اسمها لا يدل على حقيقته، كونه لا ينطبق لا و صفا و لا تعقيدا و لا منطقا، فأين السرور ان كان اسمها سارة،
ذات مرة وفي نفس المكان و الزمان، قال صديقي في حمق اعتراه، و غضب ناولني مطرقة ثور* كي اطبق راسه بالإسفلت اسفل قدميه في قول: هاذي نورمالمو الخوذير ماهيش سارة…!
اسم من الماضي السحيق، أدرج في رأسي كالفأس الصدأة بيد اسكندر المقدوني يبتر بها ذكورية كل من في حلمه مجابها، لم اجد ما اقول فقد اصدقني الوصف و اصدقها، هو يعرفها كما اعرفها، لكنه يراها الخوذير و اراها سارة؛ التي لعق السبتي كل شفاهها دونما استثناء و ساعة ازدان بسؤدد امه؛ تركها بعد ان ركل بطنها المشدود و بكل قسوة مخافة ان تحبل من دابٍّ مثله.

خيلينا من الهدرة هاذي…..!؟
جزرته؛ بل كدت ان ألطمه كما يلطم الحديد بالحديد بوهج النار، اردت من صديقي ان يقدم اعتذاره لي فأنا من يجب ان يعتذر منه، لانني فعلا حاضنها منذ ان تطلقت و تحررت من عبودية دامت لثلاث سنين؛ في دهاليز الظلم و الحماة، و عدم قدرتها على الانجاب من سي السبتي، الذي فضله عمي بولنوار عن زينة شباب المدينة، فقط لانه يركل الارض فتتطاير ذهبا-قارون زمانه- الذي خرج في زينته و لم يعرها اهتماما، و لم يكلف نفسه و لو لمرة لسماع ابداعاتها و كتاباته: عندو الدراهم يا جدك…! هكذا اجبرتها امها على الزواج به، حين ابتاعتها فراشة ميتة مصلبة بدبابيس، لكي يمعن النظر بمفاتنها، و يرتشفها لمدة ثلاث سنوات كاملة، مليئة بالظلم و الركوب اللامتناهي و الخالي من الحنان و المجاملة و التي اصبحت فيه مرتعا لشهواته حتى بلغت حد وصف العصف المأكول.
هكذا اخبرتني سعدية؛ صديقتها التي لا تنفك تلاقيني هاتفيا، لتسرد لي بعض اسرار سارة بل انها وصفت لي كل شيء عنها، منذ ان اختلى بها الى اليوم الذي ادخلها في غيبوبة دامت اسبوعا؛ فقط لان امه اخبرته انها تفضل الكتابة عن اعمال التنظيف و الطبخ و شطف الحمام.

لا تزال عينها الكحيلة؛ تحمل اذى مما قاست من ويلات طليقها، و لا ازال ارغب في مسح يدي الخشنة و الفضيعة لدمع وجنتيها و ملح عبراتها؛ لا ازال ارقب الخوذير؛ كل يوم، فلربما يأتي يوم وتصبح بالفعل سارة.

الدوبارة: اكلة شعبية
مطرقة ثور: مطرقة سينمائية بخصائص عجيبة

أضف تعليقاً