الحلم في زمن كورونا

(1)
…وأخيرا خرجنا،بالأحرى،خرجت لأني كنت وحدي. من أين خرجت؟ لا أدري!! كل ما في الأمر أني وجدتني أتنسم شساعة المكان،بعد حجر اوحجز طويلين في كهف،أوتحت ارض، اوبين أنقاض، أو في بطن أو صدر… خرجت إلى مكان لم تتعرف ذاكرتي عليه.بعد زمن من التيه، تراءت لي أشجار سامقات،ثمارها ضخمة ،قالت ذاكرتي إنها لم يسبق لها ان عاينت مثلها.وأنا أتملى ذلك المنظر، إذا بإحدى تلك الثمار تسقط سقطة اهتزت لها جنبات المكان وارتعدت لها فرائصي أنا الرعديد… انفلقت الثمرة فخرج منها شيء صغير هلامي بدأ يتشكل وأنا مستغرب لما يحدث.بدأت الكويرة تنمو إلى أن صارت كرة ، ما فتئت تتحول إلى أن اتخذت هيئة هيكل عظمي لكائن،قالت ذاكرتي إنها سبق أن رأت مثله في قبو،أوقبر،أوحجرة …
يا للعجب، بدأ ت أطرافه تكسى لحما حتى استوى ،قالت ذاكرتي،إنه إنسان مثلي.فرحت لأني سأعرف سر هذا الغموض المحيط بي.دنوت من الكائن ،فإذا به شيخ تعرف ذاكرتي وجوها شبيهة به.لكن هذا ينبعث منه نور غير مسبوق. دنا فدنوت حتى أضحت بيننا مسافة،قالت ذاكرتي:- هنا مسافة الأمان.أشار لي الشيخ بيده أن أقترب.لم أكترث،سألته: أين نحن يا عم؟!
قال:- قبل أن تعرف سر المكان،ألست عروة؟ او سليك؟أو النواسي؟
قلت: الأول صعلوك،والثاني غراب،والثالث ماجن.
قال: أو تعرف غيرهم؟!
قالت ذاكرتي:أعرف بعضهم، ومن غاب عني منهم فشيخنا كوكل في الخدمة…
جفل الشيخ ونكص على عقبيه وبانت عليه أمارات الهلع، وقال:ومن يكون الشيخ قوقل هذا؟؟!! لم أسمع به أنا من غزرت معرفته بشيوخ الإنس وبعض شيوخ الجان!!
قلت :
دع عنك ذا ،وقل من أنت؟ وأين نحن الآن؟
قال:_ أنا ضرير المعرة،ونحن في الجنان!!
قلت:و لكن بصرك حديد الآن!!
قال:
هنا لا….
لم يكمل كلامه لأن كائنات غريبة حيوانات آبقة وأشكال مفزعة داهمت المكان.
قال الشيج وقد علا الشحوب وجهه:_ أنفذ بجلدك هذه توابع وزوابع ابن شهيد قدغزت الجنان…النار…النار يا تلميذ الشيخ قوقل..
وإذا بصوت كقصف الرعد يهز الأبدان:_الناس كايموتو وأنت ناعس ليا!!! نوض جيب البوطا راه قرب العصر نسيتي راه حنا في رمضان!!!
التفت ،إلى جانبي على السرير،إذا برسالة التوابع والزوابع وجها لوجه مع رسالة الغفران…
تبا لقد فهمت الآن!!.

(2)
راسلني أحدهم أوإحداهن لأقل”كائن” إسمه (كيمو نيمو) على الخاص يطلب مني، أمرا لا تفضلا ،أن أعرفه على مصير ضرير المعرة،الذي أصبح بصره حديدا، في حكاية خيالية كنت قد أنشأتها في ظروف خاصة،الحجر، رمضان والحرارة .يأمرني الآن ، مطالبا بحقه في المعلومة،وأن لا أتركه كالمعلقة (التعبير من عندي)، أن أكمل له الحكاية التي تركت فيها مصير البطل معلقا يصيح :النار..النار… يا تلميذ الشيخ قوقل..وذهبت لأحضر قنينة الغاز (التعبير من عندي) لزوجتي المتسلطة(هكذا) .. نسيت الحكاية، لأنها بنت اللحظة. ما ذا عساني أفعل؟ واش داني ،ولاش مشيت؟ أبدأ بقول المعري،في الحكاية السابقة، :النار …النار… دلالة العبارة ستحدد لنا رأس خيط تتمة الحكاية.ما نوع هذا الأسلوب؟ علمونا في المدرسة أنه تحذير،أي احذر النار. لنسلم بذلك.صاحبنا في الجنة وحده محاصربجيوش من الجان والأشكال الغريبة يقودها غريمه اللدود ابن شهيد الذي يحقد عليه لأن (رسالة الغفران) حازت شهرة واسعة في مختلف العصوروعند مختلف الأقوام.بينما (رسالة التوابع والزوابع) رغم أسبقيتها الزمنية ،لم تنل تلك الحظوة.لنعد ترتيب الأمور.النار أرحم من فظاظة ابن شهيد وقسوته،استحضارا للسياق وظروف المقام فهذا اسلوب إغراء.صاحبنا إذا ثاو في النار،فكيف الوصول إليه لنعرف حقيقة ما جرى له؟؟ الحل عندي،اللجوء إلى شيخنا العلامة وأستاذنا الفهامة (كوكل) نفعنا الله بجزيل علمه ومتعنا بفيوض بركته. قصدته،فجهزني بآلة تطوي فيافي الزمن،وألبسني حلة تقي من كل الآفات.قطعت بالآلة العجيبة كل ما يمكن قطعه …فإذا بي أمام باب جهنم، لاتسلني عن لفح النيران فحلة شيخنا سدت كل منفذ،كان هناك صاحبنا قابع في الانتظار.ما إن رآني حتى تهلل وجهه وانبسطت أساريره .وجرى باتجاهي وهو يصيح فرحا: كنت أعلم أنك ستأتي،لم تخذلني…رأيت في عينيك شيئا تكنه لي … قاطعته حتى لا يقطف ويقول شيئا غير مرغوب فيه: لنقل ياشيخنا ،الاحترام والتقدير والتبجيل لعلمكم،فكركم وأدبكم،وكفى. اركب الآن،فغريمك قد يحل هو ومخلوقاته الشوهاء في اي لحظة .زيادة على ان الوقت عند الآلة محدود. اركب ولا تسل، وعندما تنج سل كما بدا لك. طارت الآلة،وصاحبنا غير مصدق لما يرى،فإذا بنا عند عتبات الشيخ كوكل. سلمته أمانته طبعا بعد الشكر والامتنان. كل هذا وصاحبنا لم ينبس ببنت شفة.قلت مستفزا : فيم صمتك يا شيخنا؟ رفع إلي بصره،كانت تشع منه أنوار عجيبة،لا تنسوا أنه من أهل الجنة،لاتسري عليه نواميس هذا الكون الذي مصيره إلى زوال.قال : ما أغرب دنياكم هذه.ما هذه المسلات الشاهقات التي تراءت ونحن ندخل ارضكم ؟؟ قلت : تلك مباني سامقات يقطنها الناس،بعدما ضاقت بهم الأرض،بما رحبت،أفقيا صاروا يتوسعون عموديا. قال مستغربا أو مستنكرا: أفعل فرعون يقصدون؟ “فأوقد لي يا هامان على الطين…” أبلغ بكم طموحكم إلى هذا الحد؟؟ قلت موضحا :يا شيخنا،لا تسلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا،إن طموح، أبناء الخسيسة كما سميتها،أكبر من طموح فرعون ،حاشا أن يكون كفرا،بل اكتشاف الكون يريدون.وصلوا إلى القمر، وهم الآن حول المريخ وغيره من الكواكب يحومون.طوروا وسائل التنقل على الأرض،برا ،بحرا وجوا. فضاقت المسافات.واخترعوا وسائل للتواصل بينهم صوتا وصورة،فتيسر التعارف بينهم شعوبا وقبائل.فصار العالم الفسيح قرية صغيرة بملايير الأفواه .ولكنهم ،للأسف،صنعوا وطوروا آلات وأدوات يخربون بها بأيديهم بيوتهم وكل ما أنشأوا من عجائب فاقت عجائب الأوائل… لم يصبر صاحبنا،فانطلق لسانه من عقاله معتذرا ومستفسرا:لا ترهقني من أمري عسرا،ما بال مدنكم شبه فارغة،وأنت قلت إن أعدادهم بالملايير؟؟ الذين في الطرقات،لم يضعون البراقع فعل ربات الحجال؟؟ قلت له: سأشرح وأفسر،لكن تلتزم بالشرط الأول،أما فراغ المدن، فمرده إلى التزام الناس ،مثلكم مع وجود الفارق، بالمحابس خوفا من من فيروس لا يرى بالعين اسمه كورونا. وخوفا منه وضعت الكمامات حتى لا يتسرب اللعين عبر أعضاء التنفس إلى داخل الأبدان ويفتك بالآدمي ضعيف البدن … لم يصبر فتساءل :فكيف عرفتم الفيروس وهو لا يرى بالعين؟؟ قلت كاظما غيظي :يا شيخنا التزم.ألم أقل لك إن العلوم تطورت،والاختراعات تشعبت.فالفيروس يرى بآلة اسمها المجهر تكبر الهباء مهما تناهى في الصغر ليبدو مثل فيل أو يزيد. والفيروس قد أهلك خلقا كثيرا.والعلماء في صراع مع الزمن للوصول الى مصل يكون خلاصا للبشرية من هذا الخطر. انتفض الشيخ،مستنتجا :هذا طاعون ،من جند الله،يسلطها على من يشاء من عباده… حتى لا يسترسل صاحبنا في هرائه غيرت مجرى الحديث: ما حل بابن القارح المخاتل؟؟ تنهد كأني نكأت جرحا في كيانه غائر:ذاك لئيم غادر ،وضع يده في يد غريمي واتفقا علي … تعال ياشيخنا أطلعك على إحدى عجائب هذا الزمان .هذه الأعجوبة تسمى الحاسوب، فيها يقطن شيخنا كوكل مع غيره من الشيوخ.يسمى داخله عالما افتراضيا … تابعت الشرح والرجل كله فهم وآذان …أثقل النوم الأجفان،هيأت له مكانا ولنفسي على مبعدة منه مكانا.وتواعدنا على المتابعة في الغد لأشرح له باقي عجائب هذا الزمان. ولما حل الصباح تفقدت صاحبنا،فلم أجده .كل ما بقي منه ورقة دون فيها مايلي: أعتذر لك ياشيخي،العلم بحر وأنا من هواة الغوص…سأغوص في ما سميته “العالم الافتراضي” لأتتلمذ على أيدي الشيوخ الكبار.أما الدنيا ،فنظرتي لها لم تتغير ،فهي عندنا وعندكم كما وصفتها في الماضي وأنتم مثلنا لا فرق : خسست يا أمنا الدنيا فأف لنا بنو الخسيسة أوباش أخساء
وقد نطقت بأصناف العظات لنا وأنت فيما يظن القوم خرساء


ملاحظة: لايرهقني أحد، مرة أخرى، بدعوى حق من الحقوق ،مع غياب يكاد يكون تاما للواجب، بأمري بالبحث عن شيخ لم يعد لديه ما يفيد في زماننا باعترافه. لهذا وجب التنبيه. والسلام.

أضف تعليقاً