تفرك أمك فوديها الأشيبين ٠٠ تضغط على صدغيها حد الألم ٠٠ألم يشل تفكيرها ، و تصيح فيك :
-احمل ولدك و زوجتك ، وانج بهما وبنفسك يا ولدي !
تقولها، و الخنجر المسموم المغروز في خاصرتها ،يعمق من جروحها!
-ماذا دهاك يا أماه ، ما بالك على غير عادتك ؟
بصرامة تنهرك :
– إيه ياولدي! الطوفان قادم ، ها أنا أسمع هديره يشق جسد السماء، وكحمم البركان تغلي في باطن الأرض!
-ماذاتقصدين يا أماه ، إنك تهذين !
– يا ولدي ، هذا طوفان شق ثوب صحرائنا العربية ، سلبها عذريتها ، ومارس عليها كل أنواع شذوذ التاريخ !
– ألا ترى أن الشمس غير الشمس ؟ صفراء داوية شاحبة , تلعن تاريخ مسخ يخلد بالدم ، وبحد الصارم !
– عن أي تاريخ تتحدثين ، يا أماه !
– يا ولدي ، نيرون ، أحرق روما ، فخلده التاريخ مجنونا ، الحجاج، جز رقاب الناس ، فخلده التاريخ سفاحا ، الطغاة يا ولدي يخلدون ، لكن بقوة الحديد والنار !
-وكيف يخلد أخيار الناس يا أماه ؟
– هؤلاء فوق صخور الكلس نحفرلهم التماثيل ،وفي البردى وجريد النخل ننقش أسماءهم ،بون شاسع بين من يخلد نفسه بالدم ، وبين من ينحته الناس في القلب والذاكرة ، شتان يا ولدي بين هذا وذاك ، بين هذه وتلك !
لا وقت للحديث الآن ، فالشمس تحجبها عيون الغربال يا ولدي ! وهذا يشي باقتراب الطوفان من قريتنا ، ها أنا أسمعه ٠٠ أشمه وأحسه في أعماق الأرض كالزلزال !
اهرب ٠٠٠ اهرب ٠٠٠ انج بابنك وزوجتك !
-وما ذا عنك أنت يا أماه ؟
تقهقه عاليا ، وتمعن في القهقهة :
-أنا٠٠٠أنا ، يا قرة عيني ، في نهاية الرحلة !
مرعوبا ، تلملم نفسك و أشياءك :حقيبة يدوية فارغة إلا من حفاظات صغيرك، و أشياء أخرى لا قيمة لها ٠ يجتاح القرية هدير غيوم الجراد ،تتلبد السماء بدخان قاتم ،مفعم برائحة الدم ، وشواء اللحم البشري !
تمد رأسك ، تتجاوز عتبة بابك ، تستف غيمة كبيرة من تراب ممزوجة برائحة البارود زوجتك والعجوز والبيت !
تغيب عن وعيك ، يعانقك الموت ، تغفو لحظة ، يعفو عنك ملاكه إلى حين ، تنجو بأعجوبة والصغير !
تتحسس أطرافك ، تحمد الله ، لم تفقد منها شيئا ،تمسح ما علق بعينيك من غبار٠ تحت الركام يئن صغيرك ،تبحث عنه، تزيل الحجارة ، وركام الإسمنت بأظافرك ، تقتفي أثر الأنين ، تخرج صغيرك ، ما زال فيه نبض الحياة !
يكاد صوت العجوز يخرم ما تبقى من ذاكرتك :
– اهرب يا ولدي ، انج بنفسك وبصغيرك ، فطوفان الخوذ تلفظها السماء ككويرات البرد !
الخوذ ضباع دربوا على القتل ٠٠على الافتراس ، نار تلتهم الأخضر واليابس ، الخوذ ….الخوذ … دمار وخراب ٠٠٠ نهب واغتصاب ٠٠٠عشق تاريخ مجنون مسربل بالوجع والدم، الخوذ جراد مسعور!
اهرب ٠٠ اهرب ٠٠احمل أطرافك معك ، لا تتركها ، لطوفان العمائم واللحى و الخوذ ، تعيث فيها فسادا :
حفر بالرصاص على الأجساد ، وذبح من الوريد إلى الوريد !
تمعن العجوزمن العدم ، في الصراخ :
– اهرب يا ولدي ،سيغتصب صغيرك ، ستجز رأسه الصغيرة أمام عينيك ، وتعلق نياشين على صدر مخبول ، يحلم بجنة وهمية !
اهرب يا ولدي : رصاصة ستخترق صدرك ، أخرى تفجر دماغك ٠٠ سيتبولون على جثتك ويتغوطون ٠٠ سترمى في حاوية القمامة ، تنهش لحمك الكلاب الضالة !
تحمل صغيرك في يمناك وأشياءك في يسراك : حقيبة كراسات قديمة ، بطاقات ائتمان و هوية ، حفاظات للصغير، هذا كل ما جاد به عليك وطنك !
تعانق فراغا لم يعد فيه فراغ ، تطلب نجاة مستحيلة ،تتلاشى في غيوم التراب والدخان ، و أزيز الجراد يصم أذنيك ٠
يشدك عشق مجنون إلى الوراء : عشق وطن مغبون ٠٠عشق زوجة مدفون ٠٠عشق أم مقهورة ، مطمورة تحت خراب الإسمنت والأسلاك الحديدية ، تحاول أن تلتفت ، تكرر المحاولة ٠٠لا تقدر، شيء ما يمنعك :
دبوس فولادي مغروز في قفاك : وطنك ضاع ، عشيقتك استفتها غيمة تراب والبيت والأم ، ضعت ، وضاعوا تحت الركام !
دمك والصغير كل ما تبقى لك :
دم فائر لم تجمده برودة البحر بعد ،وصغير تمسح بصراخه رعبك ، يشعرك بأنك مازلت حيا ! قهقرة إلى الخلف ، تجز رأسك ، تنحرك نحر البهائم ، ضربة خوذة غادرة تطرحك أرضا، وترسم بالرصاص على جسدك خريطة وطن ضائع ، هم قتلة ، هم لصوص ، هم زناة الليل !
تصرخ فيهم بكل ما أوتيت من قوة :
خذوا المناصب ، خذوا المكاسب ، لكن خلو لي الوطن !
يردد المدى السحيق صراخك ، تشعر بالرعب يلفك !
تعدو ٠٠ تعدو ٠٠ تعدو في كتل من الوحل ، يصيبك التعب ، تثقل خطاك ،تهرول ، تمعن في الهرولة ،لم تعد لك أقدام كباقي الخلق ٠
سفينة الخلاص ، سفينة نوح ، على ضفة البحر ، تنتظرك ، ستأتيك النوارس بغصن زيتون ، من أرض بكر خلاء :
لا بشر، لا سياسة ، لا كراسي ، لاحقد ، لا كراهية ،لا قاتل ،لا مقتول ،فقط فيها حجر وشجر وطير وكثير من رحمة ، وشيء من حب و إنسانية !
تقتحم مخيلتك كل جزر العالم ، بكل أسمائها : من [هواي ] إلى جزر[ الوقواق ] وحتى ربوع الربع الخالي، لا تستثني مكانا على وجه الأرض ، همك أن تهرب بعيدا ٠٠ بعيدا ٠٠بعيدا عن سوط الجلاد ٠٠ عن أسراب الجراد ٠
تداعبك برودة البحر ، تشعر بانتعاش لذيذ ، تحس بالأمن، تدب فيك الحياة من جديد ، مازلت حيا و الصغير ٠٠ يلمع ضوء النجوم ، فيبرق رذاذ البحر في عينيك :
البحر حياة و خلاص ٠٠البر شر وقتل ، لا مناص !
تفلسف طبائع الأشياء ، تبحث لها عن معنى :
– قروش البحر تبلع ٠٠ قروش البر تمضغ !
إذا لم يكن من الموت بد ، فمن العجز أن تمضغك فكوك عراة التاريخ ، حفاة الضمير ، أعداء الإنسانية !
سفينة نوح لم تبحر بعد ، على الشط ، تنتظرك ٠٠ تنتظر ناجين ، هاربين من جحيم الطوفان الملعون مثلك !
على رمال البحر ، تجثو على ركبتيك ، تشكر النعمة :
أواه ، أواه ! امتصتك غيمة تراب كبيرة ،بلعتك ، لاكتك ، ثم لفظتك حيا ترزق !
ها أنت رفقة صغيرك ٠٠٠ تأتيك أسراب الأمواج خجولة تباعا ، تتكسر على ركبتيك ،باردة منعشة ، و هذا فأل خير : تنسى بعضا من خوفك وألمك ، تتأمل حبيبات الماء المالح ، تعلق بقدميك ،تبلل حذاءك الرياضي ،تنتشي بفقاعاتها تتفجر و تتبخر في الهواء ، فتدمع عيناك :
صغيرك يقتفي رذاذ البحر : عينان جاحظتان ، لسان ممدود ،فم صغير مفتوح ،يتصيد رطوبة ،تلطف حرقة عطش طول الطريق، تلقمه جرعة مالحة من رأس الموجة، جرعة أحلى من ماء وطن نجسه [ أنجاس ماغول العصر ] ، تطبع قبلة حارة على جبينه، و تعتذر له عن أبوة فيك مفقودة !
تعلق عيناك بالسماء ، تلتصقان بشظايا ضوء النجوم تتشظى ،تتكسر أليافها الزجاجية فوق جبهتك المتعرقة، في حلكة الليل ، تتحسس رفرفة أجنحة نوارس ، لم تأت بعد ،من أرض سلم و سلام ، تبعدك عن أرض أرضة التاريخ ٠تلبس عباءة الفيلسوف الحكيم تهذي ، تهلوس تبحث عن الماهيات والمعاني :
موت /حياة / وطن/ مواطنة /شهامة/ نذالة / تكاد تجن !
تقتل وقتك ، تغتال خوفك : كراسة قديمة مدسوسة في أشيائك ، مكتوبة بخط طفولي مضغوط :[عشق الأوطان من الإيمان ] تتأفف ، تتف وتلعنهم في سرك :
-كذابون ، خونة ، جبناء ،باعوك يا وطني !
تعصر حبيبات الرمال بين قبضتيك ، تحسهما واهنتين ، ضعيفتين، لا تقويان على فعل شئ :
– لا إيمان لمن لا أرض له ،لا إيمان لمن تمتص خفافيش الظلام دمه قطرة ، قطرة ، هم وبعظمة لسانهم قالوا :
-الفقر كفر !
وأنت أفقر أهل الأرض إلى نعمة الأمن والأمان :
قشة ضعيفة تحت الحوافر تداس ، مستقبل مجهول، وطن مغتصب ، تراجيديا العصر!
في عتمة البحر والليل ، تلوح لك سفينة نوح ، ترسو على بعد أمتار منك ٠٠ تختال أمام عينيك أطياف حلم وهمي قزحي الألوان : كل جزر العالم تناديك ،تشد صغيرك من حنكه اليابس ، تدغدغه بلطف :
– وصلنا يا ولد ، عبرنا من خرم الإبرة ، لا خوف بعد اليوم !
من السفينة يأتيك صوت غير واضح المعالم :
-يا هذا أنازح أنت أم مهاجرسري ؟
تبتلع حروفك، لم تكن واثقا من إجابتك ، كل صوت ، كل جسم غريب، يذكرك بسطوة الجراد وغلظة الجلاد !
و في قرارة نفسك :
– لافرق بين هارب من جحيم الحرب، وباحث عن كرامة و لقمة عيش كريم ، كلاهما في المحنة سواء ، كلاهما على مضض، لفظهما الوطن !
تنتشلك صرخة قوية من غفوتك:
-أنازح أنت ياهذا ؟ أ أنت أصم أم أخرس ؟
– نعم سيدي ، نازح هارب ،من زمن عقوق الأرض والعرض، زمن وطن مذبوح ، وعهر وقهر مفضوح !
قبل أن تكمل كلامك :
– لا بأس ، يا رجل ، أنت الآن في أمان ، هاتيني الصغير !
تطبق جفنيك ، تدس أنفك في الولد،تشمه ،تريد رائحة المرحومة ، لكنك تشم فيه روائح بارود وغبار وأتربة ما زالت عالقة بأسماله المبعثرة !
-تخلص من حملك يا رجل !
-حقيبة يا سيدي ، فيها بطاقات هوية ،وكراسات ، وقليل من حفاظات الصغير !
– يا رجل ،في البحر ،هويتك منتهية الصلاحية ، ما علق في ذهنك من كراساتهم كذب في كذب ! الحفاظات لن يحتاجها صغيرك ،فالعنكبوت سيعشش في مؤخرته ،من الآن سيقتات من ماء أمعائه ، سيجتر ماعلق بمعدته ، هذه سفينة يتساوى فيها الإنسان والحيوان ، الصغير و الكبير انتهى الكلام يا رجل !
ترمي أشياءك في عرض البحر ، وفي نفسك شيء من هوية ، وحفاظات الصغير ، وكراسات علمتك الانتشاء بالوهم ، تركب سفينة نوح :سفينة لا أضلاع لها لا صواري ، لا أشرعة ،لا أخشاب ، لا مسامير ، لا مجاذيف :
قطعة مطاطية ، مملوءة بهواء مضغوط حد الانفجار، في الغرق يتساوى فيها الربان والركاب ، تطاوع مد البحر وجزره وتتلوى كالموجوع ٠
تتفحص الوجوه : عيون شاردة ، زائغة تنبت في وجوه صفراء مرعوبة متشققة ، هم أيضا هاربون من الطوفان !
تعود بك الذاكرة ، إلى ذاكرة التاريخ :
-سفينة نوح، أبحرت تحمل من كل جنس زوجين ، حفاظا على استمرارية النوع والسلالة ،هذه فيها فقط بشرمرعوب٠
ألم تكن لهم فرصة حمل زوجين من كل نوع؟
تلصق عينيك بأهذاب ليل البحر الدامس ،تنتظرتلك الرفرفة وذلك الغصن ، ويكبر في نفسك حلم مجنون حد الجنون بجزر السلم والسلام ٠
فجأة ، ضوء سريع يمتص عتمة البحر ، يلوح مركب كبير ، وحش كاسر ، يكسر كبرياء الأمواج، يغمر أزيز محركاته وحشة المكان ، تخاله في البداية أزيز الجراد، يريد أن يدمر سفينة نوح ،ويعيد ك إلى نقطة البداية ، تنتابك نوبة خوف شديد ،يركل قلبك يمين أضلاعك !
يقترب الأزيز ، تزداد دقات قلبك ،يضيع تركيزك في نظراتك المرعوبة :
مركب مملوء عن آخره بجموع من الخوذ ، تصوب فوهات البنادق نحو الصدور العارية، يصيح صوت قوي ، ربما يكون ربان المركب :
-تحذير ، تحذير ! توقفوا ، توقفوا ، سنفجر سفينتكم!
لكنة غريبة عنك ، سمعتها فقط في نشرات الأخبار!
يضع أصبعا على الزناد وآخر يغرزه في العيون الباهتة المتعبة ! تتوقف سفينتكم ، يحيط بكم حشد غفير من الخوذ :
– من أنتم ، وإلى أين أنتم عابرون ؟
– تجيبون بصوت واحد حتى تفلتوا ببعضكم البعض :
– نازحون يا سيدنا ، نبحث عن سلم و سلام في زمن لا سلم فيه ولا سلام ، ننتظر نورس البحر ، يأتينا بغصن الزيتون وقتها نحدد مقامنا و مرسانا ، نحن هاربون من شر أرضة نخرت أوصال وطننا ، فشقت ثيابه قهرا ، ومارست عليه كل أبشع أنواع الاغتصاب !
يضع أصبعه في عينيك ، أنت المسمر أمامه :
– هويتك يا سيدي ، من تكون ؟
جيوبك خاوية تماما ، فيها حبيبات ماء البحر ، وفتات خبز جاف حاف ،تخترق مطاط السفينة إطراقا وتجيب :
– هويتي يا سيدي ؟ أنا بلا هوية ، هويتي : عشق وطن ، محفور في النفس و النفس !
-خذوا المناصب ، خذوا المكاسب ، لكن خلو لي الوطن !
تقولها وتكررها والدموع تسيل على خذيك ، ثم ينهرك :
– يا سيد ، أتسخر منا ؟ و٠٠ط٠٠٠ن٠٠٠ ك ٠٠٠ يا سيدي ؟
تلملم نفسك ، تستجمع قواك :
– نحن بلا وطن يا سيدي ، وطننا استفه جراد قادم من سماء البر والبحر ٠٠ وطننا ضاع بين الخوذ والعمائم ٠٠٠ بين اللحى وربطات العنق ، والأحذية البراقة والبدلات المكوية ٠٠وطننا ضاع تحت طقطقات الشوينكوم وفرقعة الكعب العالي ، في سراديب المواخير الليلية ، بعبارة أوضح يا سيدي، ضاع وطننا في متاهات القمم/ القمامة ، والمؤتمرات السرية !
يمسحكم الربان بنظرة فيها شيء من حقرة واحتقار :
– إذن أنتم فيكم شيء من روائح الجراد ٠٠ فيكم شيء من روائح نيرون ٠٠ فيكم شيء من روائح الحجاج ٠٠نحن نخاف منكم العدوى ٠٠ فلا نحن منكم ولا أنتم منا ٠٠ عودوا من حيث أتيتم ٠٠ عودوا من حيث أتيتم ٠٠لا نريدكم٠٠ ابحثوا عن وطنكم الضائع ، فأنتم عناصر خلل !
يدوس على البنزين ، يغمركم باحتقاره مخلفا وراءه موجة كبيرة ، يمتص البحر المركب ، ويتوارى عن أنظاركم ! تضيع استغاثات الحناجر الواهنة ،و صراخ الصغار في فراغ البحر والليل !
ما أتعسكم ، وما أقلهم شهامة !
تتركون وحيدين بلا سند ، تقاومون غضب البحر : سلاحف برية عارية بلا قواقع ، تضيعون في عرض الماء الأزرق و المجهول !
دقائق معدودات ، وتستوي على رؤوسكم ، صفحة الماء ، تنعكس عليها خيالات النجوم و القمر ٠ فهنيئا مريئا لقواطع قروش و وحوش البحر !
سفينة نوح لن تنجو هذه المرة ٠٠٠ ستغرق٠٠٠ستغرقون ٠٠٠ وسيسيل المداد ، وتصدح الحناجر ٠٠ سفينة نوح لن تكون أحسن حالا من تايتنيك العصر !
سيعيد التاريخ نفسه، لكن بصيغ مختلفة ، وهنا تكمن المفارقة!.
- سفينة نوح
- التعليقات