ليتك كنت مجرد ذكرى عابرة! كسرب السنونو ساعة الودق، كالدوري بنافذة قلبي ما إن وقع بصره على طول يدي ولى مدبرا.
هي هكذا دائمة الحضور، منذ آخر وطأة قدم ببحر “إيجا”، ذلك البحر المتسم بالهيجان، و الأفكار الإمبراطورية! غيرِ الموسومة بالحذاقة و السيطرة، وجدتها بمقربة من قارب صيد، لا هو مُغدق بوفرة صيده، و لا هو فرار من حرب دامية بين من أرادوا تغيير وجه الأرض دون مفازة و لا قدرة.
– تبقى الارض هي الأرض منذ سابق عهد.
ساعة نزولي من قارب التجنيد القصري كنت غِرا في نظر الحرب، لكنني أملك قلبا يافعا لم يجرؤ يوما على مطارحة بنات رغباته، حتى البندقية التي حملت أوزارها رغما عن نفسي كانت أطول من فراعة سندي، هرولت و كلي ثقة أن الطلقة القادمة ستكون بقلبي الضعيف، لم أدرك حينها أنني ما إن انبطحت سوف أسحق بتلك النظرات، لم اكن أعرف العدو من الصديق، يتم تهجير العديد من أترابي صوب المجهول كون الحرب لا تفرِّق، تحصد و لا تذر.
في هذا الساحل يخيم الأسى على طول الرمل المضرج بدماء الذين سقطوا! ما من شيء إلا أنهم يحمون عرش أولئك الذين هم في أحضان زوجاتهم، متوشحون بالزبانية الذين يقتاتون من حمل الأخبار و إيقاد نار الحرب.
– صدق من قال ان “الحرب يقيمها الجبناء و يقعدها العقلاء”.
بصرت من بعيد؛ فإذا بها منزوية تحاول أن تجعل من ذلك القارب شاطئ أمان، لم أتمنى ساعتها غير أن تتفاداها رميات البارود الحارقة، تدحرجت في زحفي صوبها؛ فتاة تنسج من أهوال الحرب رمادا مسح وجتنيها و شعَّث شعرها.
لم تكن اللغة وسيط، و لا الإشارات، لكنَّ مهابة البندقية و البزة جرحت فيها كل جميل، إرتعد من هول العسكر الذي لا يصرخ و لا يهتف إلا بشعارات البقاء و الخلود و الموت، كل شيء هنا ينذر بالهلاك؛ عدا تلك الأعين السابحة في بحر الدموع، كان الخوف يعض وجنتيها الحمراوتان، نظرتني كمن يرقب الموت مترصدا، شهقات الفزع لم تحفل لمحاولات كبتها لها، سحرت في نفسي كل جبروت.
– قلبي الصغير لا يتحمل…
نعم لا يتحمل كل هاته البراءة، و كل هذا الاسى، سألتها الإختفاء أكثر فأكثر، فالكل يَقتُل هنا من شدة الخوف؛ ليس تضحية من أجل الوطن و شعاراته الزائفة، بل من أجل البقاء و العودة.
أجبرتني على أن اقبع بمكاني، تحصنت بي، لم أجد بُدًا من قبول الوضع الذي لا يحضن لا جسدي و لا جسدها؛ تحيط بنا القنابل من كل نوع و من كل صوب، تتساقط الأشلاء كالشظايا منذرة بالفناء.
ساعة الذروة؛ ما كان لي إلا أن طوقتها بما تسنى لي من أوصالي.
كذلك تحوم الغربان فوق الرؤوس طالبة إياها.
ناوتني كتابا، و أومأت لي أن اقرأه، لم أدرك حينها أن الحرب قد تجعل منك رحيما، أن تنزع ما في قلبك من حقد و غل، تقبَّلتُ كوني غازيا، لكنني لم اتقبل كوني قد سأضعف عند أول محطة و أي محطة.
كان قلبها يخفق بشدة؛ رغم الضوضاء و الصياح إلا انني كنت أسمع صوت دمها و هو يفور في شرايينها، وَقَعَتْ صريعة الرهاب و الفزع، لم تتحمل كل تلك المشاهد.
كان موتها بين ذراعي كالقذيفة وسط البحر، كالبركان ساعة الثوران، لم تقو على الصراخ، كانت تراني سندا و عضدا. خذلتها فأخفقت في حمايتها من روعها، و كم هي كثيرة سقطاتي، فتحت الكتاب؛ فإذا به القرآن، لم تدرك وقع ذلك بنفسيتي.
تختلف المواطن و الهدي واحد.
كان سلاما لها و بطانة، و كان شاهدا على رغبتي في أن تزهق روحي! حتى لا اقع بالخطإ في غير موقعه، تدحرجت خافضا بندقيني؛ متقهقرا! مما مر علي، كيف لي أن أحمل وزا بشمالي و قرآن بيميني.
- سلامٌ وُقِّع بدم
- التعليقات