..سرعان ما إمتد الصمت بيننا كنقاط جملة لم تكمل، كحال جلساتنا في المدة الأخيرة، ودون أن نعرف لماذا؟ ربما إستنفذ فراغ أيامنا كل الكلام من جعبتنا ولم يترك لنا سوى فتات من قول يكفي لسد رمق اللسان.! أو ربما صار الكلام مجرد أصوات دون جدوى كثياب الشتاء إبان الصيف وبتنا نعيش خريف القول.! أو لربما أيضا صرنا نخشى النظر في وجوه بعضنا البعض بعد أن شاب القول في اللسان وبرزت تجاعيد على محيا الكلام.! الأكيد أن الحال تغير، ولم تعد ( الهدرة كتجبد اختها) كما يقال بالدارجة، لم تعد الكلمة تحيل الى أختها..الى أخيها وأمها وأبيها..الى شجرة عائلة القول كلها. لقد أصبحت الكلمة لقيطة لاشجرة أنساب لها، وأصبح الكلام إبن زنا يخجل من ذكره اللسان. ولهذا صرنا نهرول الى هواتفنا، ونشيح بوجوهنا عن بعضنا البعض.! وهكذا هربتُ، في جملة الهاربين، الى هاتفي الذكي، ورحتُ أتجول بطلاقة، إذ يمكنني أن أختار، أنا الذي لم يختر أمرا في حياته، إسما جديدا لي، وأستعير ملامح مختلفة بحسب رغبتي، وإن شئت يمكنني اختيار صورة أنثى حتى،كما يمكنني وضع الرقم الذي أريد لتاريخ ميلادي، بل ويمكنني اختيار حتى مسقط جديد لرأسي..كي أعيش حياة زرقاء مختلفة وأكثر إثارة وحيوية ووهجا من الحياة الرمادية التي أعيش واقعها في صمت غالب.! لكن صديقا أوقفني، فجاة، في الشارع الأزرق، وصاح في وجهي غاضبا:
– أنت ( حَشّايْ).!
وقبل أن ألملم دهشتي واستغرابي واصل وهو ممسك بخناقي:
– متى ترد لي ماسلفتك إياه، أيها ( الحشاي).؟
فأجبته باستغراب أكبر:
– ومتى سلفتني إياه.!؟
ورد بعصبية أشد دون ان أستطيع من خناقه لي إفلاتا:
– أدخلْ الى حسابك، واحسبْ عدد الجيمات التي سلفتكَ.! لقد أكملت لك اليوم مائة جيمات، ولم ترد لي جيما واحدا أيها ( الحشاي).؟
فقلتُ له بنفاذ صبر:
– اترك خناقي، وسأرد لك سلفك الآن فورا، فلَدَيَّ مايكفي ويزيد من الجيمات.!
ثم دخلتُ الى حسابه، وبدأتُ أَعُدُّ:
– واحد، إثنان، ثلاثة…..

أضف تعليقاً