في صباح يوم من أيام العمل غمرتها فرحة كبيرة و سعادة مفاجئة لا توصف..سرى الدفء في عروقها وابتسمت أساريرها…انطلق وجهها الذي تلمحه في زجاج النافذة و أشرقت ملامحها بعد كآبة دامت شهور…
تساءلت ما هذا الذي يعتمل بداخلها ؟ …
إنها مغرمة تمكن العشق منها ولم تعد ترى سوى طيفه يجوب الأنحاء .. ..
بحثت عنه في كل مكان ..أين هو يا ترى ؟ و من هو؟ …هذا الذي تظل بإنتظاره الليل بأكمله …تحاكي النجوم و تتأملها إلى بزوغ الفجر فترى وجهه المضيء محمرا خجلا ….
يكابد كل أشكال البرودة و الموت ليظل سابحا قائم الذات …يطل عليها كل فجر فتقضي يومها منتشية تدندن…
لا تزعجه محاولات التطفل بل لعلها تؤنسه في وحدته…فرت الحياة منه لكنه لا يزال حيا…
و بحياته هو تحيا هي…يكفي وجوده ليمنحها سببا للحياة و ذكر اسمه ليجعلها تقضي يوما دافئ المشاعر و هادئ الطباع….
صارت الإبتسامة لا تفارق محياها …ترد التحية و التهكم بالإبتسامة …اتهمها الجميع بالبلاهة ….يتحدثون وراء ظهرها و يتغامزون …هي على علم بأنهم ينعتونها بالبلهاء و الساذجة و أنها في بداية الجنون…يظنون أنها تهذي عندما تحدثهم عن حبيبها……
ومع ذلك فهي سعيدة ..تقابل كل هاته التهم بالإبتسامة لا غير….وحدها الإبتسامة كفيلة بكل شئ…
اشتكاها رئيسها في العمل و قال أن إبتسامتها مستفزة و لا تقدم فروض الولاء و الطاعة…..
واصلت ابتسامتها و لم تكترث للأمر…
شحنة الحب و الأمل تلك التي ترسلها ابتسامتها …
و الآن أين هو حبيبها ؟ …إنه خارج البيت المزيف…يدور في أرجاء البيت الحقيقي غير المحدودة و اللامتناهية …
وراء اللون الأزرق المزيف يختفي اللون الأسود الحقيقي و الفارغ…..
حقيقتنا السوداء الفارغة …حقيقة عزلتنا في هذا الزمن….حقيقة تسبب الأرق للذين يعلمون…
يتردد الصوت في أذنيها منذ الصباح….عزف جميل يدغدغ مشاعرها و يجعلها تترنم
و تطرب….
اعتقدت أنها تتخيل صوت دوران حبيبها….
و لكن هل صارت حاسة السمع لديها قوية لدرجة التقاطها أصوات من الفضاء الخارجي ؟ …
ابتسمت في رضا يعكس وفاءها لمن تعلق به قلبها….
يزداد صوت العزف قربا و تناسقا كأنما اكتسب شحنة جديدة من القوة…
تركت القاعة التي تعمل بها و بدأت بجولة في المؤسسة ….
مرت أمام قاعات التدريس الهادئة مبتسمة ..لم تكن هي مصدر العزف ….أيضا الإداريون منهمكون في عملهم وسط الملفات الكثيرة …
إذا من أين يأت العزف ؟…تساءلت في نفسها..
وقفت وسط ساحة المؤسسة تتطلع في جميع الأنحاء …لمحت باب قاعة المسرح مفتوحا على مصراعيه و بعض الطلبة يلجون النادي …..خصصت المؤسسة أكبر قاعة لديها لنادي الفنون الذي يضم المسرح و السينما
و الموسيقى….
ألقت نظرة من الباب …ينتظم العازفون فوق الركح مكونين أوركسترا غاية في التناسق…
يمسك جميعهم الكمان و يعزفون لحنا رقيقا شاعريا …تسببت إضافة عازفين إلى الأوركسترا في بلوغ صوت المعزوفة قاعة عملها….
أشار إليها أستاذ الموسيقى بالدخول مرحبا …
دخلت القاعة مبتسمة …بهرها جمال التنظيم و رقة الموسيقى …
” أعتذر لإزعاجك زميلتي …إن أردت سنغلق باب القاعة حتى لا يصلك صوت الآلات الموسيقية…نحن نتدرب كما ترين …”
” لم أنزعج مطلقا …قادتني أذناي إلى هنا ….ما اسم هذه المعزوفة الرائعة..؟ ”
” إنها سمفونية الكوكب الأحمر …سيقوم فريق من رواد الفضاء برحلة استكشافية لكوكب المريخ …سنعزف هناك هاته السمفونية كتحية للكوكب الأحمر الذي سيحتوينا و يكون ملاذا آمنا لنا يوما ما ….”
” هي سمفونية حبيبي ….خذوني معكم أود أن أكتشف حبيبي “