أغراهُ ضوءُ الغيومِ الفضِّيِّ، والمطرُ الذي غسل الشوارع والأرصفة والواجهات أن يتجول متسكعًا في الشارع الأنيق المؤدي إلى محطة المترو؛ بعد نهاية يومه الوظيفي، دسَّ كفيَّه في جيْبي بنطاله يُدفئْهما، وسار مطلقا لعينيه عنان التجوال .. يشعر بالامتنان للمطر الذي جعل الكثير من خلق الله يهجعون في بيوتهم، أو يطلبون الدفء في المقاهي التي لاحظ تهافتهم عليها في هذه الساعة من النهار .. يتحركُ بحُرِّيةٍ على الرصيف، يتفقد المحلاتِ المتأنقة، ومعروضاتِها الغالية، ذات الماركات العالمية الذائعة، يتنقل من فترينة إلى أخرى .. توقف أمام إحداها تعرِضُ ملابسَ أطفال .. جالت عيناه بينها للحظاتٍ، ثم غامتِ الرُّؤَى أمامه .. سبح عقلُهُ بعيدًا، يجتاحُهُ سُعالُ ولده العميق .. يهُزُه، وصوته المزكوم يلاحقه :
ــ أبي .. هذه الملابس لم تعد تُدْفئُني ..
.. يقع بصره على قطعتين تناسبان ولده .. حملق في بطاقتيّ سعرهما، زرَّ عينيه ليتحقق من الأرقام، جمعها .. أيقن أنهما ـ بالكاد ـ يكفيهما راتبه، لاإراديًا يتحسس جيبه، تفركه يده، تيارٌ صاعقٌ من الأسى يسْرِي في بدنِه؛ يزلزله .. ينسحبُ مُطأطأَ الرأسِ، يبتلعه الإحباط ..
ــ طول عمرك ” فَقْرِي” ..
يطِنُّ في أُذُنيه تقريع زميله له؛ وشرر نظراته يقدح حنقًا نحوه قبل أن يهرول متزلفًا خلف “الباشا” ..
تطوف بمخيلته صورة ولده منكمشًا بركن الأريكة المهترئة، يحتويه في صدره، يلف ذراعيه حوله يدفع بهما البرد عنه وهو يحادثه: ” تخيلتك في هذا الطاقم يابنيّ .. كما أولاد “الملوك” ـ وإن كنت تفوقُهم وسامةً ـ لكن .. ماذا أفعل، ما باليد حيلة ياصغيري .. سأشتري لك ماأستطيع من “سوق الجمعة” .. اعذرني ياولدي، فأبوك “فَقْرِي” كما يشيعون عنه، لكنه يسير بينهم ـ دائمًا ـ مرفوع الرأس، ألايكفيك هذا ميراثًا؟ ..”
افاقته دقات الساعة الآتية من المقهى القريب من وقفته تُعلنُ الرابعة .. هرْولَ يجِدُّ الخُطى إلى محطة المترو ليلحق بورديَّتِهِ المسائيةِ في وحدة ” الجَلْيِّ” بالمطعم الشهير..
- سوقُ الجمعةِ
- التعليقات