- هيه…
رفعتُ يدي إشارة اني سمعت النداء. - إقتربْ..!
جرجرتُ جسدي، واقتربت بخطوات مستفهمة، دون ان أخمن بالضبط لما دعاني، هو الذي لم يكلمني يوما، ولم يرفع حتى نظره صوبي، وإن كان يعلم بوجودي في المكان المعتاد اتفرج عليه كما اعتدتُ في غضون ايام فارغة، وهو يدفع صخرته كالعادة كل يوم.!
لم يُأَنبني او يوبخني كما رجح بي الظن، على مكوثي طيلة الوقت متفرجا عليه يتعرق عناءا على صلابة صخرته التي لافكاك ليديه عنها؛ بل قال بصوت متقطع بين دفعة واخرى دون ان يتوقف، وبنبرة بين التوسل العتاب : - ألن يرق قلبك يوما لحالي.!؟ ألن تشعر يوما بلسعة الصخرة في كفي المتشققة.!؟ يئستُ منك، وأيقنتُ ان قلبك قُدُّ من هذه الصخرة الميتة، انت الذي يتفرج علي بعد ان صار الآخرون يتجاهلون حتى وجودي.! أيقنتُ أنكَ انت صاحب كل هذا الوقت الفارغ الذي تقضيه متفرجا عليّ وعلى كل ما يجري حولك، مجرد وعاء اجوف يملأه وقت فارغ بسويعاته اللاهية.! انت مجرد جثة تطفو على سطح بركة آسنة من وقت فائض، تمنعها ايام راكدة من موجة تدفعها الى ساحل يتيح لها قبرا ترتاح فيه.! انا افضل منك..انا حي وانت ميت…
لم اعترض، لكني نظرتُ باستغراب الى الصخرة امام يديه والى قطرات العرق بين الشعر الذي يكسو وجهه كقطرات مطر بين اشجار غابة مطيرة، وواصلتُ الاصغاء كالعادة.! - لاتستغرب..! الصخرة شهادة حياتي، اوقعها كل يوم بقلم من كفي المتشققة وحبر من عرق، وإن كنتُ أدرك اني لن أصل بها القمة يوما، ومهما دفعتُ بها صعدا اكثر، لابد ان تتدحرج، عند كل غروب، وتعود الى السفح، لأعاود الكرة مرة اخرى واخرى واخرى…!
إني احاول امرا اعلم اني سأُهلك دونه، لكني، ورغم ذلك، احاول واحاول..الى ان أُهلكْ، وقد يأتي بعدي من يوصل الصخرة الى القمة ولن تعود للسفح ابدا.! إن طريق المحاولات الناجحة، غالبا، مطمور على رفات الهالكين في المحاولات الفاشلة.! لهذا افضل ان ادفع صخرة لاتلبث ان تتدحرج من جديد، على ان اصير صخرة جامدة في مكانها مثلك، تتفرج على ماحولها بعينين أرى الموت في فراغٍ يتثاءب من نظراتهما.!
إني، على الاقل، أصنع لكَ فرجة تملأ بها عينك الفارغة، انت الذي قنعتَ من الحياة بشرفة باهتة لتتفرج على ما حولك، دون ان تفعل شيئا لنفسك، او للآخرين، دون ان تدفع شيئا.! انت مجرد عين جاحظة من فراغ تتسكع كعاهرة فائضة تنتظر أبسط اشارة لتتفرج، وروحكَ تصفر كالريح في خربة جسدك الفائض..!!
لم اعترض..حقا ما كان امامي امرا افعله لنفسي وبنفسي، غير ان امضي الوقت متفرجا على مايجري حولي، لأن الامور تجري كما اعتادت ان تجري دون حاجة لأمثالي؛ فلو حدث وجمعونا وألقوا بنا في البحر، لاستمر سير الحياة على ايقاعها المعتاد دون ان يضطرب شيء.! فاحيانا يفيض الانسان حتى عن جمهور المتفرجين، ويبيت بلاشيء يتفرج عليه.! لهذا لم اكن لأعترض حين دعاني لأجرب دفع الصخرة، عوض الاكتفاء بجمود الموتى في نعش نظرة من عين متفرج فائض، وإراحته لبعض الوقت، حتى يسترد انفاسه، في آن معا.! وهكذا، تركني ادفع الصخرة بحماس بادٍ، وذهب الى ظل شجرة وارفة لينعم بقسط من قيلولة افتقدها طويلا..لكنه تأخر اكثر مما توقعت، وخارت قواي باسرع مما ظننت. لم تقو اصابعي الرخوة على الصمود اطول، ولم تتراجع سيول العرق المتدفقة من جسدي، فخشيتُ ان اذوب تماما واندلق كماء على تراب سيتشربني سريعا، وناديتُ : - سيزيف..!
وقف، وتمطى، ثم نظر إلي..بدا وكأن وجهه الذي بلون الصخر قد تغير، وصار بملامح اخرى، فرمشتُ عيني غير مصدق..لكنه كان قد تغير حقا، وصار يتضح اكثر كلما اقترب خطوة اخرى. كان يشبه وجهي، بل كان وجهي تماما باطلالة صلعته الاليفة، فاندفعت صرخة هلع من اعماقي، لكنه سبقني ووضع اصبعه على شفتي وقال بابتسامة غامضة : - لاتضيع طاقتك، او ماتبقى منها، في صرخة عقيمة، ستُفلٍت الصخرة منك، لتتدحرج قبل اوانها المعتاد كل يوم، مما سيضطرك الى اعادة الكرة بعناء اكثر، ولاحاجة لتندهش.! إنها صخرة سيزيف الملعونة، وكل من مسها صار سيزيفا..وها انت سيزيف الآن، فادفع…
لم اعترض..شمرتُ عن اكمام سيزيف الذي صرته، وواصلت الدفع.!
- سيزيف
- التعليقات