توقّفت راحلتي.. نكزتها أبتغي مضيّا.
قيّدها طلل دارس تآكلت عُمُدُه فتسمّرت كأوتاد انغرست في فؤاد الأرض وتحجّرت..
انبجسوا من رحم الرّسم يتراقصون حولي، يطلبون صكّ العبور..
ارتجفت نبضاتي الفارّة من بعضها، هجرني حينٌ مضى، فررت إلى فيء غدي، ارتفعت حصونه دوني..
انكفأت إلى آني..
وأغمضت عينيّ…
تدافعوا نحو الضّفّة الأخرى..
تساقط بعضهم كزهرات ياسمين..
سمعتُ بعض الخطى تئنّ..
رأوها تُجهض الحلم وتنتحر على بوّابات العبور..
لا يذكرهم..
ظلّ يمضي بلا وهن وعيناه ترمقان الشّمس، تنهشه ضباع الفزع وهو يراها تندسّ في الحضن الغريب.
ارتعش خافقه وهو يراه يلفّها ببرده الحريريّ، يتشمّمها، يلعقها كقطعة مثلّجات في يد ظمئ، يرتشفها قطرة قطرة حتّى ثمالة وله الضّياء..
تعثّر بالوجع، اضطربت خطاه، كاد يقع، أمسك بأهداب العزم وارتمي مع المرتمين في لُجج الدّرب المتلوّي كنبض أنثى تكابد غرغرة النّسيان..
رأيتهم يدنُون..
تمتدّ أيديهم تقرع الأبواب الموصدة..
تجول عيناه بحثا عن تميمة الولوج..
يراها..
خلف البوّابة العشرين تزرع على الشّرفات وردا، تدندن ترنيمة وعد صفصافة بالرّحيل إلى مرج الكروم، تبتسم وهي تردّد:
“أسكرني الحلم.. شقّت جذوري دربا في الصّخور
أيا كرم مهلا..لا تثمر حتّى تصحو فيّ الجذور..”
ينادي:
“أدلي إليّ ضفيرتك الحبلى
ترفعني..
فأطير…خلف الغيم البعيد”

ترنو إليه من خلف عيون الورد الباكيات شوقا إلى ربيع..تدلّي ضفيرتها ، يمدّ يديه ليمسك بها، يقف على أصابع قدميه، يشرئبّ بكلّ ارتجافاته نحوها
_أمسكتُ……………..
طق طق طاااااق…
تهاوت الشّرفات…
من بين حجب الأغبرة والأدخنة والعويل رآهم يعبرون نحو الشّمس..
رآها معلّقة كشرْنقة تذروها الرّياح، ترتجف، ضفيرتها تتدلّى وأصص الورد تسبح في فلك خفقاتها، وعيناها تهاجران نحو السّماء..
لاحقتْها عيناه..
طيور الخطّاف تحوم حول الأفق المُتخم بشهد الشّمس، لا يزال يتلمّظ بقايا ارتشافاتها..
فجأة تهاطل السّواد عليه ودْقا.. يحجب عنه وجه السّماء، من أقبية الغياب سمعها تدندن بترنيمة وعد الصّفصافة السّكرى:
“تنتحر الدّمعة في الأحداق
اقرع الأبواب ..
تعبر..
ضفائري للوهن مشانق..”
جثا على ركبتيه يجتثّ من العمر دربا وينصب فخاخا للمستحيل..
يؤوب..
يزاحمهم نحو الضّفّة الأخرى
يتلافى السّقوط كزهرة صبّار..
يُبْصِرها..
يضمّ أنفاسها الوجلة من الدّجى، يدثّرها بأهدابها المتيّمة بالضّياء، يهدهدها، يجهّزها عروسا لأوّل العابرين..
يحثّ الخطى، يدندن ترنيمة السّواعد المفتونة بطَرق الأبواب..
تتدانى إليه قطوف السّماء..
يخضوضر مرج الكروم مرتحلا نحو الصّفصافة المثقلة بالحنين..
أفتح عينيّ..
أبتسم، لقد حفظتُ السِّفر الأوّل من “أسفار العبور”.
يختفون..
أضُمُّني عزمًا وأمتطي راحلتي..

نبضُ غاب

زُلال العيون تنساب بين نظراته الشّاردة، ترمقه خلسة، تجاهد التّصعّد إليه عساها تحظى بحُبَيْبات عناق..
يُلجمها مجراها فتحنو على الحجر المتلألئ تضمّه هامسة بالأماني المختنقة تحت كَلْكَل قَدَر الخطى..
تسرح عيناه بعيدا عن تمتماتها..
تتوهان خلف سحب مرتحلة نحو المجهول..
سحابة مثقلة بالحلم ترنو إلى خطواته المبعثرة في أرجاء الغاب الفسيح، تكاد تعدل عن مسارها وتتنزّل من عليائها إليه فترتمي بين قدميه مهدا مخمليّا..
“ما أعذب ريح عَرَق غصيناتك يا غاب..
فيك أمتدُّ قطرا من غياب وانتثار وحنين..
أزرع في ثناياك الخطى بَذرا تائها لا يهتدي إلى جذور..
أنّى لها فيك تجذّرا، ياغاب، وهي غصينات ارتحلت عن بواسق لاتني هناك خلف ظهرك تكابد جورا وصبرا..؟”
يتلمّظ وجع شوق إلى الوطن البعيد..
يهمهم الغاب.. تندّ عنه آهة مكتومة، ترفرف جدائله حول الجسد التّائه فيها تصبو إلى ضمّه، يُعجزها الجهد فتنثر حوله ريشها دمعا منسكبا وريقات وريقات..
يسكنه وجعُ ووَلَهُ يَنْخُران أديم الرّوح..
صَدْرُ الغاب الرّحب يضيق..
دثار السّماء السّاكن يمسي نبضَ قفير نحل مجنون..
الأرض تميد، تدور وتدور وتدور..
تضطرب خطاه، يغشاه دوار، يوشك يتداعى كوخًا من قشّ في مهبّ عاصفة هوجاء..
من خلف أكمة تَنْبجس..
كقشّة تحملها الرّياح حطّت خطاها على حافة النّهر، اقتعدت من مجراه مكانا غير قصيّ..
الغاب ضنين بالرُّطب، ومخاض الارتحال فيها جنح إلى هدأة قبل صولة اعتلاء المطيّة..
يتسلّل النّهر إلى خافقها، ينساب بين النّبض والنّبض بَرْدا يُخمد مجامر حيرة لازمت ضَرْب خطاها في الدّرب..

من بين الجذوع الممتدّة يراها تعانق نظراتُها النّهر.
يهلّل خافقه لرفقة بها يسلو عن عتمة وحدة وغربة
تفوح خطاه بعبق متعطّر بشذى وَلَه الأرض بعناق السّماء..
تثمل بالعطر أنفاسها..
يجتاحها ظمأ شديد..
تمدّ يدها إليه
همست:” هلّا تزُقّني من مَعين العُود والصّندل والزّعتر والياسمين؟”..
يفاجئه لسان عربيّ في غاب العجم.
_ أنّى لي الزّعتر والياسمين في هذا الغاب الرّحب الغريب..؟
يردّد:.
_ هناك، متناثرا من عبق خطاك أيّها المنبثق من رحم محراب الضّياء البعيد..
تتمتم.
تفوح من تمتمتها عطور الوطن.
يدنو..
تهفو..
يرنو..
ينسكب من جِراب العمر شَهد الحكايا..
شقيقان غريبان ضمّهما غاب..
كم تضمّ غابات العمر من شتات إخوة شرّدهم دأب بني يعقوب..
في ثنايا الغاب الرّحب يترافقان..
تتتَوأَم الخطى..
تتمازج انسكابات نظراتهما المغترفة من النّهر نقاءه والصّفاء..
يمسي للغاب نشيدٌ يترنّم بعذب أزاهير المنى..
لكن فجأة يَقْرع العمرُ طبولَ الرّحيل..
للملجإ الذي يلملمها على الضّفّة الأخرى ميقات إياب دقيق.
“أيا غابا تُطبق جفنيك على لحظ الزّهر بين جنبيك لفَراش حائم على غير هدى، جمعتنا حانيا، فأنّى يلتقي النّخل بالزّيتون وتلثم المهاوي وجه السّماء..؟”
تُردّد السّؤالَ ومجرى النّهر يحملها بعيدا عنه.
ينادي:
_أنلتقي.. أتراك إلى غابنا تؤوبين..؟
تتهادى إليه كلماتها تردّدها جنبات الغاب:
_قد يضمّنا ذا الفيء ونرتضع لبأ المِسك في ضروعه الحبلى بالحنين إلى دفق زلال..
_تمضين……………………
يتغرغر بالحرف..
مثخنا بسهام الفقد يصيح:
” ربّاه إنّي أشرق.. إنّي في أتون خطاها النّائية أغرق…”
يتردّد رجْع صدى نجواه في حُبَيْبات النّهر الخافقة بخطاها:” أساكني.. لا تشرق، وفي غير يمّ همس غابنا لا تغرق..”
تنادي ثنيّات الغاب:” ألا إنّي بهطل خطاك يا زائري أرتوي.. انثرها بين يديّ ورحبَ همسِ فؤادي اعتنق..”
يعبق الكون بأهازيج الحياة..
ويعتنقُ حلم الإياب الغياب..