جمعت قبضتي الصغيرتين،اعتصرت الفراغ ، حدقت في المرآة وأمعنت التحديق حتى كدت أخترق نفسي بنفسي ، وضربت على صدري بقوة ،بكلتا قبضتي كالغوريلا وصحت صيحة أفزعت أمي : انا سليل الوركاء! ،انا الثور النطاح ! أنا ! أنا ! وضاعت صيحاتي تحت وابل من شتائم أمي المذعورة ·
امتطيت صهوة أول عصا طويلة صادفتها في طريقي ، وأطلقت ساقي للريح:أطير في الهواء، وفي قرارة نفسي ، أني أمتطي الحصان المجنح ·اليوم سأكون في أعماق غابات الأرز البعيدة ، سأنازل المارد (خمبابا)
-ستعضدني وتآزرني يا (أيكيدو) !
لم يكن هذا إلا ذلك المستكرش البليد إبن الجيران، لم يكن ليكسر بيضة حمامة ،لكنه كان يطاوعني :أجره أينما شئت فينجر · كنت أعرف كيف أملي عليه أوامري .
تلك الشجرة الضخمة تستحوذ على الكثير من الأمثار المربعة من أراضي الجموع ،(الأراضي السلالية) والتي غالبا ما كانت تتسبب في نزاعات ، وصراعات دامية بين الجيران ،وكنا نحن الصغار نمنع من الاقتراب منها ، ربما كانت تتتسلل إليها العفريتة بنت الريح: (ليليث ) مصاصة الدماء ،عند كل غروب وإن كانت تسكن حسب ما يقوله الكبار في المرجة الزرقاء التي تحرسها أشجار الدفلة ،كانت هذه الشجرة ، مأوى للعشاق من أبناء القرية وحتى من الكائنات الحية الأخرى ، ومن جدعها الضخم كان ينطلق البجاسوس في ملكوت العشق والهيام ،وتبدأ المغامرات الغرامية ،يمسح العشاق على وجه القمر ،ويعزفون انشودة الحب الخالد .
عرجت على (ايكيدو) في منزله ،و دون أن أكلمه دفعته أمامي فتدافع ، كان طوع ارادتي ورهن إشارتي ·سألني ببلادته المعهودة : -إلى أين يا ثور .؟ يا نطاح؟ شعرت بأني ذا شأن عظيم و أجبته:
– إلى غابات الأرز البعيدة ؟!
الصق عينيه بي حتى كاد يقتلعني من ثيابي وقال مستفسرا :
-وماذا سنفعل في هذه الغابات المخيفة والبعيدة ؟!
-انا( البطل الجميل) سأصارع الوحش( خمبابا) سأصفي حسابي معه ، سأخلص البشر من إعتداءاته ،وسأقتلع ظلمه لبني جنسنا من أعماقه !!
كنت أكلمه متظاهرا بالجدية ، فشعرت به كاد يفعلها في تبانه ،وأن الرعد الذي تحرك في دواخله سيكون خيره عميما · لقد بدا البلل واضحا فوق ركبته ، هدأت من روعه وقلت له :
– ليست غابات الأرز غير تلك الشجرة التي تقبع هناك: فرعاء، رعناء ،شعثاء كعش اللقلاق !
يجب أن نعرف سرها لماذا يمنعوننا من الاقتراب منها ، أليس كذلك يا( أنكيدو )؟!
-نعم لكن أنسيت ، أنهم وجدوا قربها معزة متخشبة كالمومياء ، ولم يعرفوا سبب موتها إلى يومنا هذا ؟! إننا أصغر من هذه المغامرة يا صديقي ! يا بطل ! ياجميل ! لكن أنا معك مهما فعلت !(أنكيدو ) ما تخلى عن البطل الجميل قط ،في كل صراعاته مع قوى الشر والظلام ·
سالت الخيالات على وجه الأرض ،وفقدت الأشياء ظلالها إيدانا برحيل النهار وحلول الليل · إمتطينا أنا و(أنكيدو) صهوة المغامرة ، وتسللنا تحت جنح الليل إلى تلك الشجرة المخيفة وكنا واثقين بأنها أصبحت مهجورة تماما ، لا تزورها كائنات نهارية ،أما الليلية : لا أعرف !كل ما أعرفه : أننا كلما اقتربنا منها ،أ شعر بقلبي يركل في مختلف أنحاء صدري ! ورأسي ينفش ريشه ، فأفقد السمع نسبيا ! أما ( أنكيدو) فكان يتمسكك بتلابيبي ويشدني إلى الأرض ويعوقني عن الحركة ، فأضرب يده الممسكة بي بقبضتي : -أتركني يا بليد !! أنسيت أنك في حماية (البطل الجميل )،قاهر رجل الطوفان ، ومروض الخوارق ،؟! أنسيت أم أكون ملزما بتذكيرك في كل خطوة نخطوها ؟!
تسللنا إليها بحذر شديد وعلى رؤوس الأصابع · إقتربنا من جذعها فأحسسنا بها تحضننا بقوة بين أغصانها التي كانت تلامس الأرض كل ورقة كائن حي له أسراره ،شعرنا أن مئات الأعين كانت تخترق أجسادنا الصغيرة كالسهام ،وترقبنا، كنا نحس بها ، أو ربما لم نعد نميز الأشياء بكثرة الفرق الذي تمكن منا ،لم يكن لنا هدف من هذه الزيارة في هذا الوقت ،لو لم أكن مدفوعا من ذلك (البطل الجميل) في نفسي و الذي كان يرميني دوما إلى المهالك ،أما (أنكيدو) فلم يكن إلا تابعا من أتباعي أنا : مروض الخوارق و قاهر الإنس والجان !!شعرت بالماء البارد يغمر جسمي كله ، ومخي يغلي كالمرجل · فأحس أنه على وشك الإنفجار·أما ( أنكيدو) فإنه أصبح حملا ثقيلا علي: يتمسك بي ويشدني شدا :يريد أن يمسح خوفه بثيابي ، وأنا أصلا لم أعد قادرا على حمل نفسي .
تهوي علي صفعة قوية من الخلف على القفا فأفقد توازني وأكاد أسقط ، أعوي كالذئب المسعور ويموت ( سليل الوركاء ) في أعماقي . أطلقت ساقي للريح لا ألوي على شيء أسابق الفراغ ،لم أهتم لأمر صديقي فقد تنكرت له ،تركته يواجه مصيره لوحده ، كانت استغاثاته تلاحقني ، لم ألتفت خلفي، كان صوته ممزوجا بأصوات الأشباح التي كانت تصم أذني ،تركته يستغيث وتضيع صيحاته في الفراغ ،لم اعرف ماذا أصابه ·لكن كلما ابتعدت عن تلك الشجرة الملعونة تخبو استغاتاته إلى أن تختفي تماما وإن كانت دقات قلبي تشل مني السمع بأكمله .
وصلت إلى البيت وأنا ألهث، التقطت أمي مني بعض الكلمات ،ركبتها في جمل بسرعة البرق ،كان الخبر عند الجارة الأولى، ثم بدأت الحركة تدب في جميع دور الدوار كقطرة زيت في خرقة بيضاء ،والأفواه تنفتح وتلتصق ،باللاقطات الهوائية ،فينتشر الخبر كالنار في الهشيم ، تنطلق أول ردة فعل من بيت (أنكيدو )المسكين ، الذي خذلته ، كانت بطولتي مزيفة ، فقد كنت اكثر جبنا منه ·
في أقل من دقائق كان الخبر قد عم كل منازل الدوار ، وعلم الرجال بالأمر ،اختلط عويل النساء بنباح الكلاب بخشخشة الأعشاب اليابسة تحت النعال القادمة في أتجاه الشجرة من كل حدب وصوب ،تحت الأنوار الخافتة للمصابيح الزيتية ،كان (أنكيدو) مسجى تحت جذع الشجرة ،تبينته على نور إحدى المصابيح ، عيناه شاخصتان إلى السماء ،التي تحجبها أغصان هذه الملعونة ، ثمة ندف ثلجية ناصعة البياض ،تستر وجهه من الجهة اليسرى .تقدم منه شيخ الدوار أقعى كالكلب بالقرب من رأسه والعكازة تتمايل في يده اليمنى ذات اليمين وذات الشمال ،وتحسس منه مواطن النبض ، اصفرت سحنته إلى حد الاخضرار والكل مشرئب الأعناق ،فاغرالأفواه ، ينتظرون نتائج جس النبض ،أطرق كبير القوم رأسه ، وأمعن في الإطراق ، والعيون تلتهمه تكاد تجرده من ملابسه وقال بنبرة تخنقها الدموع :
-لازالت الخشبة ساخنة ، لقد أسلم الروح قبل لحظات ، عزاؤنا واحد يا جماعة ·!!
أطرق الجميع رؤوسهم وراحوا في نوبة نحيب مكتوم ،والرؤوس تتمايل ، والأكف يضرب بعضها بعضا ،والوجوه تلطم ،حسرة وأسى على الفقيد ( أنكيدو )·
كانت مناقير كل جوارح الأرض تنقر على رأسي ، وصدري يغلي كالحمم · أنا الذي اغتصبت صباه ،لولا أحلامي الصبيانية ،وتهوري لكان الآن بين أهله وفي حضن والديه ·
انبرى أحد المتطفلين وسأل الشيخ الذي كان لازال مطرقا رأسه :
-وماهوسبب الوفاة ياسيدنا؟! – إنها قبلة يا قوم ! نعم يا قوم إنها قبلة !
– قبلة ؟! قبلة ؟! ماسمعنا بهذا من قبل ، القبلة تقتل ؟!
-إني أرى يا قوم على الجهة اليسرى من عنقه قرب المنحر ، بعضا من الازرراق ،وعلامات أنياب ،غير طبيعية ! ومن سيكون غيرها يا قوم ؟! القبلة عضة أقعى ، ولكن اللئيمة تمسخ أفعى ،عندما تهاجم ضحاياها ، الله يستر !
يا سيدنا إنها تسكن المرجة الزرقاء وتعيش بين أشجار الدفلة فماذا تفعل هنا ؟!
-عندما يجن الليل تزور (ليليت) هذه العفريتة اؤلئك الذين يعيشون في العالم الآخر تحت جذع هذه الشجرة ،ألا ترون أنهم يمسخون أفاعي وثعابين ،تملأ المكان نهارا لتستمد طاقتها من نور لشمس .
-أي؟! أي؟!صح يا سيدنا منذ بدأت هذه الثعابين تخرج من جدع هذه الشجرة ما رأينا فوقها طيرا يطير ولا حشرة تئز ولا أي شئ حتى أغصانها أصبحت منفوشة ،موحشة و مهجورة تماما !
-اسمعوا يا قوم قبل أن يوارى جثمان هذا الطفل الثرى،ويجف ماء تربته ، يجب أن تزول هذه الشجرة الملعونة ، إنها سبب فتنتنا نحن الكبار ، ومصدر قلق ورعب للصغار !
صاح آخر :
-يجب أن تحرق واقفة بمن فيها ؟! لا تأخذكم بها شفقة ، نيرون أحرق روما بأكملها وما التفت وما اهتم !!
بصق رجل طاعن في السن عن يمينه وعن شماله وتمتم بكلمات مكتومة وابتلع مجملها : -ألاترون بأن مساكنهم تحت جذع هذه الشجرة؟.وأخاف أن تجلبوا لنا الكارثة العظمى ! أخاف أن تحل بكم اللعنة !
فرك كبير القوم شعيرات لحيته المخضبة بالحناء ،ومسح على وجه الفقيد وصاح فيهم :
-يا قوم ،ربما هداكم الله إلى حل أمثل! فالكل أجمع على عدم بقاء هذه الشجرة الملعونة بين ظهرانينا !!
صاح والد( أنكيدو) بنبرة حانقة غاضبة متوعدة : الدم لا يغسله إلا الدم !! لا أريد ان يضيع دم ولدي بين اختلافاتكم ،لن يكون ولدي قشة تحت حوافر حمر حانقة ،فاليوم ولدي وغذا أولادكم. هي الأيام دول ،يا قوم !!
صاح الجميع : المعاول ! الفؤوس ! المداري ! تقتلع من جذورها قبل أول خيط من خيوط الفجر ، مكانها فارغ خير وجودها المشؤوم !!
انتشرت الأضواء الخافتة في شعاب القرية وسالت تخومها بالمصابيح الزيتية ،جيش عرمرم من السواعد القوية ، تتأبط المعاول والفؤوس تقودها الرغبة في الانتقام إلى نهاية تلك الشجرة ، التي لم يشفع لها كونها كانت شاهدة على ميلاد تلك القرية !!
كانت تلك الشجرة تحتضر تحت رحمة المعاول والفؤوس ،والفجر على وشك الانبلاج :تستأصل من جذورها ، فيلفظ مكان الجرح منها سيلا من الثعابين والأ فاعي بمختلف انوعها وألوانها وأحجامها ، فتجتاح كل ركن من أركان القرية وكل شق من شقوقها أمام حيرة الأهالي ،الذين أسقط في أيديهم ، وأتلفوا رأس الخيط !!
-بنبرة توبيخ وعتاب صاح ذلك الشيخ الطاعن في السن :قلت لكم ستطاردكم لعنة هذه الشجرة ،ستهجركم من منازلكم ،
- شجرة اللعنة
- التعليقات