قضم حنضلة عمر يقفو انتثار الضّياء في عتمة خطاه..
إليها أومأ بعض العرب.. تهامسوا:” بارتشاف رضاب أهدابها تمسي مناراتٍ كلُّ الخطى..”
بانت له تعتلي ذروة الجبل بخيلاء، صقيلة القوام، باسمة الثّغر، ناصعة، متورّدة، تلفّها الشّمس بأهدابها كعاشق يغار من النّسيم أن يلفح وجنتي حبيبته..
رنا إليها من الوهد المتسلّل تحت أقدام الجبل خجولا حابيا.
استعرت في خافقه مجامر صبّ قديم خال آن غفلة أن دود النّوى قد نخره..
ضجّ في مقلتيه نبض شوق.
لجّ في أوردته وله..
تاهت مراكب العزم في الفؤاد بين ثنايا التّوق. فخرّ على ركبتيه ساجدا للحنين. .
امتدّ بين الوهد و ذروة الجبل صرح جنون الوصال .
تشبّث بأذيال الصّخر وتصعّد ينشد ٱنعتاقا من قيود غمرها الصّدأ وما ٱنكسرت..
ضرّجته الخطى الأولى بدماء الٱنزلاقات. فٱشتدَ فيه عويل حلم يأبى ٱرتحالا.
زحف متعلَقا بأكتاف الجبل كحلزون منسيَ..
تجشَأ الطود الهرم . ففرّت من مقلتيه نوارس الأمل .
خارت خطاه والقيد يشدّه ساحبا إلى الوهد القميء..
امتدّت يده إلى شجيرة تجاهد الحياة بين الصّخور كقملة ٱرتحلت ذات تيه بوصلة إلى فروة رأس متشرّد يشكو هزالا..
أحكم قبضته على الجذع فأنّت الغصون وذرفت قطر دمع جاد به طلَّ الصّباح وهو يعبر عجلا ينثر رطب حنوَ سخيّ..
صدحت حمامة :”أتراه مهاجرا يتوق إلى غار..؟”
عضّ على شفته المتيبّسة.
فوشوش بلبل:”أتراه يقفو خطى هاجرَ تضرب الأديم فينزّ زمزما مدرارا..؟”
واصل تصعّده و عيناه ترقبانها بين الفينة والفينة وجل الرّحيل وهو يتمتم :” بل هو التّوق إلى مشوار تطهّر من رجس عار”.
أخطأت قدمه موطئا فٱنزلقت.صاح متألّما هلعا.
تأوّه الجبل. ردّدت حجارة تسند رؤوسها إلى حجره :” لعلّها ساعة الطّلق..” فهمس ركام طوب جاثم عند أقدامها :”لعلّها ساعة الطّلاق.. السّماء ملبّدة تنذر بفراق..”
فلهج لسانه :”قرب ميقات التّلاقي.. هدأة.. رحماك يا أشواق..”
الشّمس تلملم أطراف بُردها الحاني على سيّدة الجبل.
أسراب البوم طفقت تستعدّ لملحمة ليل طويل.
لفح كفّه نسيم بارد منعش.
تلمّس أديما مسطّحا تحضنه، تهلّل وجهه بشرا..
تعالت أهازيج الرّوح طربا لزغاريد الحلول.
تغنّى الكون :”سلمت يمناك يارجل.. شرف أن ذي الذّرى تصل..”
دفع جسده المتهالك بثمالة عزم. وتهاوى عند قدميها يلثم ثرى أرضعها بهاء.
تحامل على نفسه.
رفع إليها عينين تشرقان صبّا.
مدّ راحته طالبا يدها.
هوى عليها سرب البوم قاطفا، ليقدّمها للغراب ضيف شرف ملحمة المساء.

أضف تعليقاً