يتقافز قلبي فرحا عندما أسمع رنينه وأهرع بشغف للإجابة، لقد كان لي في ذلك الرنين ذكريات جميلة… كلما قمتُ بفتح الباب تهطلُ البركات علي من كل صوب وحدب…
لم أعد أشعر بذلك الآن .
في تلك الليلة انتابني شعور بأن شيئا شنيعا سيحدث إن فتحت الباب، ولأول مرة أتمردُ وأقف ساكنا دون استجابة… استمر الجرس بالرنين وازداد اصراري على التجاهل…
الفال السيء لم يكن وليد هذه اللحظة، بل انبثق في ذلك الموقف وظل يرافقني… يبثُ في جسدي الفزع… ارتعدت فرائصي… كل جزء من جسدي يرتعش، كل منهم أشار إلي بلؤم وامتعاض…
يصاب عقلي بصداع مزمن ليعود بي إلى ذلك الموقف هامسا: وما شأنك أنت حتى تتدخل؟!
أجيب زافرا: نعم لقد كان خطئي.. حين تدخلتُ… لم يسبق وأن أقحمتُ أنفي في أمور لاتعنيني، ولكني حين تقدمت نحوه شعرتُ وكأن شيئا يغلي في دمي… في طريقي إليه أحمر وجهي و تمخض لدي استنكار لتصرفه….
استعدتُ رباطة جأشي وهززتُ رأسي كي أبعد عنه التفكير بذلك الفأل السيء قائلاً في نفسي: فعلتها وانتهى الأمر..
انفتح الباب عنوة على مصراعيه… حدقت بي أسلحتهم الرشاشة، جذبني أعلاهم رتبة من لحيتي و جرني إلى الحافلة ومنها إلى المخفر…
يالله أكل هذا لأجل تصرف عفوي بدر مني لحظة غضب… لم أكن أتوقع أن الفأل السيء سيكون بهذا الشكل، فتشؤمي كان بسبب أنني لم أعتد على التدخل في شيء إطلاقا…
هل سمعت الدولة بما فعلته؟ وإن سمعت كان الأجدر بها تكريمي لا زجي في زنزانة …
في المحكمة العليا… تمت محاكمتي بصورة عاجلة… ليضرب القاضي بمطرقته ويعلن الحكم دون أن يعطي لي فرصة الدفاع عن نفسي كأقل حق يمتلكه أي متهم…
ثلاثون عاماً هي مدة الحكم الذي أعلنه القاضي دون تردد…
أتساءل: لم تمت محاكمتي بهذه السرعة؟! فيما يتم تأجيل أهم القضايا إلى سنوات حتى يتم الفصل فيها…
أيعقل أنني أرتكبتُ جريمة أخرى دون أن أشعر بها… لقد كان من عادتي السير أثناء نومي… هل يعقل أنني فعلتها حينها؟!
في السجن أصبحت قائدا يحترم… فالكل ينحني لي أحترام ، سجانا كان أم سجينا… الجميع صار يلقبني بالقائد الجريء وكلما أقبل أحدهم إلي يسألني: من يدعمك من الأحزاب؟ أم دعمك أتى من الخارج؟ ومالذي تنوي فعله الأن بعد كشفك؟
كنت أراهم سذجا في نظري في حين أنهم كانوا يبجلونني… فالكل ساخط من النظام ولكن ماشأني أنا في ذلك؟!.
لم أنخرط يوما في حزب سياسي… ولم أتحدث قط عن السياسة… كنتُ أنفر منها دائماً…
أيعقل أنهم شبهوني بشخص آخر؟
التفت نحوي أولئك الثلاثة الذين تم الحكم عليهم بالمؤبد:
الأول اغتصب ثلاثين فتاة… الفتاة الأخيرة أوصلت صوتها للإعلام فأصبحت قضية رأي عام… ولكنهم أغدقوا عليه بالحكم المؤبد… الثاني قتل أنفسا لا تحصى… والثالث ظل ينهب الدولة طيلة أعوام ….
هرولوا نحوي فجأة… قبلوا يدي ثم تمتموا: يبدو إنك فأل خير علينا ياسيدي!.
المغتصب… القاتل وسارق خزائن الدولة، جلهم أُطلق سراحهم، فاستبشرت خيرا، لم تكن جريمتي ذات معنى، سوى أنني بصقتُ في وجه صاحب مرسوم العفو، حين داس ذات يوم على العلم .
- شوكة
- التعليقات