لا تدري ما الذي ألم بها، باتت شديدة الحساسية حتى لأتفه الأمور..
كانت لا تبكي إلا لدمعة طفل أو ظلم بائن، باتت تبكي بسبب أو دون سبب.. تختلق الأسباب لتغضب وتعترض بشكل دائم..
كل من حولها متهم، خاصة أقربهم إليها.
تغضب تدفع بكرسيها إلى المطبخ لو تأخر كوب ماء طلبته منذ ثوان فقط.
تتمتم بحزن
_الحمدلله ما زلت بكامل عافيتي، ولا أحتاج لمن يقوم على خدمتي.
بدهشة وبراءة، تنظر ابنتها إليها مشفقة:
ـ أماه ما بك؟!. أبعدي هذه الهواجس عن مخيلتك.. أرجوك.
ـ هواجس!.
تردد.. وتتسع حدقتاها إلى الحاجبين.
جميعهم نائمون، وهي تواصل سرد معاناتها بلا ملل..
تضحياتها..
إيثارها لهم على نفسها..
تبكي..
وتبكي..
ويعم صمت كئيب.
لا تستسلم للنوم..
كلما حاول أن يطغى على إدراكها، قفزت وتربعت مثل مخرج شهير..
سلطت الأطياف في عرض على خشبة تخيلاتها.. أعادت الفارس الذي ترجل عن أحلامها قسراً.. أعطته دور البطولة.
واثقة الخطو تعتلي منصة صالة تعج بالمهنئين، تتأبط ذراعه، وتجر خلفها ذيلاً أبيض طويلاً.. لا يشبه ذيول خيبتها التي أتقنت على مدى عمر كامل جرها.
انتصبت بقامتها الممشوقة..
وعلى قيد فرح رقصت على أنغام زغاريد لم تطلق ذات قدر لها، إلا عندما تعتلي أحيانا صهوة أحلامها.
هناك على بعد جيلين وأكثر، تنتصب شامخة جدران مدرستها، لا شيء في أروقتها تغير..
الصفوف مازالت تصطف لتحية الطالبات..
زميلاتها في الصف الثاني الثانوي انتقين مقاعدهن بشقاوتهن المعهودة وضحكاتهن البريئة، وهي ملتصقة بالجدار خلف ضفائرهن والشرائط البيضاء..
ترضع صغيرها، وتتابع قصيدة تلقيها معلمتها لأحد شعراء الجاهلية.
ينتهي الصراع ما بين نافذة غرفتها وزوبعة تشرينية على دوي زجاج يتساقط شظايا تمتلئ الأرجاء بها .
- شيء ما تغير
- التعليقات