شيخٌ طال الزمان عليه فأضاع للعمر تعداد السنين، ظهرٌ تقوّس كهلال يحمل حلم اكتمال، من بعد طول رحلة حملت في رحمها حلما، ولذة، وفرحة طال انتظارها، خَبَر مسالك كلّ أنواع الهوى، تجرّع ٱلامه، أسعده طول انتظار أحلامه، أنعشه نور تسرّب في الفؤاد فمدّ للروح جناحا، دوما يردّد: من لم تسلك خطاه تلك المسالك فكلّ خطاه في الحياة هباء. اتّخذ من عكازه المرتعش متّكأ وحاميا، رمال الشاطئ تطبع ٱثار خطاه ، انغراس منسأته تخبر العابرين أنّ شيخا في الهوى هزّه وجْدٌ فمشى ينبش ذكرى حنين رسماه على الشاطئ مع رفيق الروح من سنين، هنا مرا، هنا ركضا، هنا حزنا، هنا فرحا..هنا كانت أرواحهما تعطّر صفحات وقت كانا يطويانها كطي نسمات فجر لزرع حديث عهد بالثرى.
المكان خال الاّ من بعض نوارس تراها تفرّقت على طول الشاطئ، وإذا نهشها الحنين تجمّعت ليكون لها موعد مع التفرق من جديد.
سلسلة من بعض الصخور اتّخذت من بين الأمواج مسلكا وموطنا، ككفّ تحجّرت فأشارت بإصبعها للبحر، شاب فوق صخرة انكمش بركبتيه إلى صدره، أحاطهما بيديه خوفا من الانفلات، رأسه انغرس بين تجويفة زنديه حينا، وحينا يشرّع لعينيه جناحا لتطير مع النوارس في أفق لا يعرف حدا، اقترب منه الشيخ، بالكاد ثبّت عكازه بين انزلاقات الصخور، جلس، وضع كفه على كتفه:
– يا فتى، أراك اتّخذت مكان العاشقين، والهائمين، والباحثين في بقايا الروح عن قبس يضيء، أرحلتْ عنك خلف هذا الأزرق وتركتك تقلّب صفحات ذكرياتك لوحدك؟
– ليتها رحلت ولم تمزّق صفاء الصفحات ، لقد خانت الهوى الذي زرعناه، سقيناه، وحين نما ومد للأوراق ظلا قطعت عنه شرايين الحياة، خانت الذكرى والٱمال والحلم، ٱه ما أقسى على القلب حين تسقط أقنعة الخداع، فينكشف ما في الروح والوجوه من غش وأطماع وكذب، ٱه ما أقسى على القلب من زمن عطرته، عمّدته في أنهار قلبك، وفي ٱخر محطة من قطار رحلتك تكتشف أنّك ركبت قطار الخطأ، ياليتني لم أعشق، ولم اتّخذ الهوى رفيقا ومؤنسا.
– يا فتى أراك لحنت في قصيدة عشقك، ونشزت في سمفونية هواك، ألا يكفيك من الحياة أنّك كنت فيها عاشقا، فالعشق شمعة تمدّ في ظلمة الروح عمودا من نور، فتضيء ما استظلم، وتفتح ما استغلق، يا فتى لا تطفئ شمعتك، فإن خانتك عاشقة الظلمة فستجد عاشقة نور تتعمد بنور شمعتك.
وقفا، سارا معا، يد الشيخ على كتف الفتى، العكاز تدحرج بين الصخور، اتّخذ من زبد البحر أرجوحة.
ـ يا شيخ عكّازك ابتلعه البحر.
ـ انظر أمامك ولا تلتفت كي لا تنطفئ شمعتك.

أضف تعليقاً