تتحرك المياه متهادية لتكون موجات رقيقة تزيد من جمال النهر و سحره. اقتربت أكثر إلى الحافة أتأمل صورتي المنعكسة.. يمنعوننا من اللعب بجانب النهر أو القدوم إليه.
كما تحذرني أمي دائما من مغادرة الحي أو الإنغماس في اللهو مع الأطفال و الاستماع إلى كلامهم الجميل حول النهر…حينا عشوائي البناء ذو بنية تحتية رديئة و خدمات تكاد تكون معدومة تكون على أطراف مدينة تلفظ أنفاسها مختنقة من عدد السكان الهائل و الذي يتضاعف بسبب و دون سبب كحال كل مدن الأمازون .. تفصل حينا عن النهر أراضي شاسعة كانت فيما مضى زراعية و خصبة تنتج السكر و لكنها الآن مهملة و تبدو النية جلية نحو تحويلها للبناء ..
الناظر إلى الأفق يلمح الأشجار الخضراء على حافة النهر ممتدة كسطر لا نهاية له.. أتساءل دائما عن ما يوجد خلفها ..عن لون التراب ..عن عدد الأسماك في النهر .. إحدى بنات جيراننا قالت أن النهر تسبح فيه أسماك ملونة كثيرة و أن ترابه مختلط بالذهب لذلك تمنعك أمك من الذهاب إليه.
أعدت الكلام على مسامع والدتي .قلت لها أني أريد أقراطا ذهبية كبنت السيد باولو تاجر البقالة.
أجابتني بحز :
– مات خالك في النهر لدى محاولته السباحة و مقاومة التيار القوي و مات أطفال كثر لعبوا على الحافة فانزلقت أرجلهم و لم نجد لهم أثرا . كل من يغرق يبتلعه الشيطان و لا نتمكن من العثور على جثته. أما السيد باولو فهو يتاجر في الممنوعات لذلك صار ثريا.
لا تخبزي أحدا بما قلته لك و إياك أن تذهبي إلى النهر ..!
صمتت حتى لا أرى الحزن في عيون أمي ثانية و لم أعد إلى ذكر نهر الشيطان. أرتاد المدرسة فيستفزني بريق أقراط لوسيا. صرت أكرهها و أحقد عليها . أقاطعها كلما تكلمت و أسخر منها.. لكن هذا اليوم مميز لا يشبه الأيام العادية.
إنه يوم عطلة اختار فيه جيراننا أن يضيفوا غرفة جديدة لمنزلهم . جهزوا ما يلزم من الأخشاب و المواد ..تجمع أفراد الحي للمساعدة و المباركة . الأطفال أمام المنزل و النساء تحاول ترتيب باقي الأثاث مع صاحبته.
أعدت أمي طبقا من البسكويت و انضمت إلى النساء مبتسمة.. الفرصة سانحة للانفلات من رقابتها. انغمس الأطفال في اللعب فانسحبت بهدوء .
ابتعدت عن الحي و مشيت عبر الأراضي.. عيناي متعلقتان بتلك الأشجار التي صارت تكبر و تكبر إلى بلغتها و شاهدت ظلالها تنعكس على الماء .
أبعدت تلك الحشائش التي يرتفع طولها ليقارب قامتي و تأملت المياه الرائعة ..أنتظر رؤية الأسماك تقفز .
لم أحاول لمس الماء خشية ظهور الشيطان و جذبي للقعر .. صوت محرك شاحنة قطع سكون المكان .
على الجانب الآخر من النهر رجال يضعون شخصا نائما على الأعشاب، ثم يقيدونه ، يربطون حجرا كبيرا مع يديه و حجرا آخر مع رجليه . يرمونه في النهر بسرعة ليرسو في القاع دون مساعدة من الشيطان . أحد الرجال لمحني فأطال النظر إلي . بادلته النظرات لأتعرف عليه لابد أنه شيطان الأمازون الذي يخشاه الجميع .
و قبل أن أتأكد من ملامحه ، امتدت يد ناعمة و أغلقت فمي جيدا أما اليد الأخرى فطوقت خصري و حملتني راكضة ..تسارعت الأشجار و ابتعدت ليضمحل حجمها شيئا فشيئا حتى صرت أراها في حجمها المعتاد. وضعتني أمي على الأرض باكية:
– ما الذي فعلته ؟ لماذا لم تستمعي لكلامي ؟.
طأطأت رأسي لكي لا أشاهد دموع أمي و همست:
– أردت أن أرى الأسماك و الذهب ..
قطعنا الطريق وسط الحي ، أخرجت أمي منديلها ، مسحت دموعها في صمت دون أن تفلت يدي ..
سألتها بإلحاح:
– لقد وقفت على الحافة و لم يجذبني أي أحد إلى الماء .أين هو الشيطان يا أمي ؟
ردت دون أن تنظر إلى وجهي:
– إنه يقيد الأجسام مع الحجارة ..!.
- شيطان الأمازون
- التعليقات