..ولأني كنت عاطلا عن العمل في ذاك اليوم الماطر، حظيت بفرصة قيلولة شتوية طويلة دون أن يزعجني أحد أو شيء.فدائما أشكر المطر، ليس لأنه يروي الحقول فلاحقل لي ينتظر قطراته، بل لأنه وحده من يمنحني يوما لعطلة. أما الشمس فقد أقسمت أن تسلمني للجوع إذا أشرقت علي وأنا خامل في السرير، وأرغمتني على الإستيقاظ قبل إستيقاظها، وهي تجتر بآلية لازمةَ:( لفياق بكري بالذهب مشري)، رغم أني لم أجد أحدا يوما يشتري إستيقاظي الباكر بالذهب، بل ظللت دوما أبيعه بأبخس الأثمان، وإلا كان المساء إيابا بلالقمة..فالناس معادن، وربما كنت أنا من قصدير فقط.! لذلك أحببت المطر، ليس لأنه يروي لقمتي، فهي ترتوي من قطرات تنز من مسام جلدي، بل لأنه يخفيني بغيومه عن عيون الشمس ويمنحني مبررا كي أستريح، إذ الراحة ترف لالزوم له أيام الصحو، لأن كل مجموع دخل أسابيع الصحو من العمل اليومي، من ( تمارة)، لايصمد إلا لبضع أيام غائمة، وأنا أعيش حياتي بالتقسيط ساعة ساعة.! لقد كنت مدينا، في ذاك اليوم، للمطر بفرصة قيلولة لذيذة دافئة هانئة لاأنعم إلا نادرا جدا بأمثالها؛ كما أتاح لي، بعد أن توقف عن النزول مع حلول المساء، إمكانية الذهاب إلى المسجد لجلب أواني الأكل الفارغة بعد أن غرف منها الفقيه حصته لما توقف دور إطعامه عند داري وفق المعمول به في الدوار. لهذا طويت السبسي وأسرعت إلى ارتداء جلابتي الحائلة وانتعال البوط الذي يفك ألغاز الوحل،وأخذت مسلكا هو الأقرب تحت القطرات العالقة بين أوراق وأغصان أشجار الزيتون، وفي نيتي أن أزجي معه الوقت المتبقي لحلول موعد صلاة المغرب، رغم إدراكي أن الأمر لن يسره بالمرة، خصوصا وانه لايخفي نفوره مني أنا الذي يضيف إلى كونه لايصلي تدخين السبسي نهارا جهارا ولايخجل من سنه، فكنت أبادله نفورا بنفور، ولاأتورع عن امتشاق السبسي في حضرته.! لهذا ألححت عليه في إعداد براد شاي بيده الطاهرة رافضا بقطع إعداده بيدي النجسة التي لايمكنها سوى أن تطبخ شايا بمذاق نجس، بعد أن جلست إلى موقد مشتعل والسبسي في يدي تحت سقيفة عند ساحة المسجد، حيث يتوفر الحطب والشاي والسكر والوقت الكافي وزيادة للفقيه العاطل دوما عدا عن رفع الآذان وإقامة الصلاة إذ لم تعد هناك جلابيب من صوف ينسجها الفقهاء في مساجدهم ولا مسيد يمتلأ بالأطفال كما كان قبل أن تأخذ المدرسة منهم دور المعلم.! جلست واجما في إنتظار إعداد الشاي إذ ( الكيف بلادكة بحال التران بلاسكة)، بعد أن عكرتْ ملامح الفقيه مزاجي الذي كان بصفاء يوم ربيعي مشمس عقب ليلة ماطرة، حين لمح طلعة ( كمارتي) وسمعتُ كل تجاعيد وجهه تصرخ متعوذة بصوت واحد ثم تحوقل مستسلمة حيث لايمكنه طردي من أمامه، وكنت على يقين أنه لو إستطاع لفعل. لهذا كنت أتابع النار وهي تمضغ بأسنان من لهب قطع الحطب بين ( شقف) وآخر، وفي صدري تستعر نار غضب أخرى، جعلتني أعزم على النيل منه، عبر إغاضته والإستثقال عليه أكثر،ومن هذا الكتف يمكنني إيجاعه.! لهذا كانت عيني تقفز بنزق بين يده البظة الشفافة البشرة النظيفة وهي تفرغ الشاي في الكؤوس ويدي الغليظة المفلطحة المبقعة المتشققة من صباحات عديدة أقبض فيها باكرا على الصقيع، ثم تحط على قب أبيض من جلباب رقيق يندس تحت آخر أسود وسميك، وتنزل إلى بلغة صفراء لايلمسها الوحل في قدمه، لتعود وتستقر على البوط الذي كان جلده البلاستيكي الأملس لازال محتفظا بآثار الوحل. وبعد ان رشفت اول جرعة من الشاي الساخن، عدلت جلستي وملأت ( شقفا) آخر رحت أنفث دخانه على مهل وبخشوع المدمنين، بينما أخذ هو كأسه وأراد الإنسحاب الى غرفته حتى يقترب موعد صلاة المغرب، لكني أقسمت له بأغلظ الايمان أن لايذهب وأبقيته جالسا على مبعدة من دخان الكيف على مضض. فقال لي دون تمهيد وكأنه أيضا يريد جري من الكتف الذي يوجعني:
– متى ترمي عنك هذه المصيبة.!؟
أجبته وأنا أتابع سبابته وهي تشير إلى السبسي ودون أن أميز أهي إشارة فقط أم وعيد:
– لكل شيء أجل، أليس كذلك سيدي الفقيه، لقد سمعتك تقول هذا من قبل.؟
– نعم لكل شيء أجل.!
– أعذرني سيدي الفقيه، انا رجل أمي لم يُنطق حرفا واحدا في حياته.!
– لكن ذلك لن يعفيك من الصلاة.؟
– قد يغفر الله لي ذلك، وما ادراك أنت سيدي الفقيه، إنه يعلم بلاأدنى شك ماأكابده كل نهار، أليس هو العليم بكل شيء وكل صدر سيدي الفقيه.؟
– نعم إنه عليم بذات الصدور.!
فقلت بآلية وراءه: صدق الله العظيم، ورحت أكررها بعناد طفولي كما لأغيظه أكثر عقب أي كلام يقوله، رغم اني صراحة لاأقدر على التفريق بين كلام الله وكلام الفقيه، لكنه رد علي مع إبتسامة توحي أنها من فم يعلم أنه يحدث سطلا أجوف لن يفلح كل كلام الإنس والجن في ملإه وقال:
– كما تكد وتجد لأجل أجر دنيوي هو مال تنفقه على حاجياتك في هذه الدار، عليك أن تكد وتجد أيضا لأجل أجر أخروي هو حسنات تُدخل الى النعيم في الدار الآخرة.!
– أي أجر دنيوي هذا سيدي الفقيه.؟ إنه يكفي بالكاد لقمة اليوم، أما الغد فينتظر أجرا آخر مقابل لقمة أخرى.إنه قليل قليل سيدي، وأخشى أن يكون أجري الأخروي أيضا كحال أجري الدنيوي قليل قليل، فالصلاة ستبقى طوال نهارات( تمارة) الطويلة في كل الفصول ديْنا بذمتي إلى المساء حيث يتوجب علي دفع ديون الدنيا والآخرة.! وحتى الصوم لم أعد أطيقه.!!
– وبماذا أنت مسلم إذن.!؟
قال الفقيه بشيء من الغضب تبدى في تغضن ملامحه ومرورٍ عصبي سريعٍ ليده على لحيته الشهباء، فرددت سريعا:
– بالشهادة.!
– أركان الإسلام خمسة، وليس واحد فحسب.!
– واحد فقط كان من نصيبي.! لقد سبق وسمعتك تقول سيدي الفقيه أن الأرزاق بيننا لم توزع بالتساوي فكان الغنى والفقر..
– لقد فضلنا بعضكم على بعض في الرزق…
أسرعت الى ترديد: صدق الله العظيم وراءه، ثم واصلت متسائلا:
– وما أدراك سيدي الفقيه أن الأركان الخمسة أيضا لم توزع بالتساوي.!
– ويحك ياهذا، ماذا تقول، أم لعب الكيف بدماغك.!!
– فكر معي سيدي الفقيه، أنا الأمي الذي لايفقه شيئا لكن علمته الحياة كثيرا من الدروس، فكر في الفقراء والمساكين والمعوزين هل يمكنهم أن يحظوا بركن الزكاة، وهم المحتاجين إليها، ودائما اليد العليا خير من السفلى، هذا ناهيك عن ركن الحج الذي وضع إلى جانبه لمن إستطاع إليه سبيلا أليس كذلك سيدي الفقيه.؟
– نعم لمن إستطاع إليه سبيلا.!
– إذن، سيدي الفقيه، ماذا يتبقى للفقراء والمساكين والمعوزين عدا ثلاثة أركان، مادام ركنا الزكاة والحج خاصان بالأغنياء، إذ هم وحدهم من يستطيعون إليهما سبيلا.؟
– ماذا تقول أنا لاأفهمك.!!
– هذا، سيدي الفقيه، لأن تلك الأركان الخمس مصدرا أساسيا للحسنات، والحسنات هو الإسم الذي يُطلق على الأجر الأخروي، ومادمنا دائما نبحث عن أجر هو في الدنيا مال وفي الآخرة حسنات، فمصادره ليست متاحة بالتساوي أما الفقراء كما الأغنياء.؟
– لعنة الله عليك أيها الشيطان الرجيم..لعب الكيف بدماغك وانت مرتاح إلى براد الشاي الساخن والموقد الدافء، وصرتَ تهرف بما لاتعرف..تفو..!
قالها بغضب ونهض مسرعا في إتجاه غرفته وهو يردد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وبقيتُ شيطانا جامدا قرب الموقد في يدي السبسي وعلى شفتي إبتسامة شيطانية شامتة.!
- شيطان وملاك
- التعليقات