لم تكن الثوراتُ تعنيه ؛لأنها لم تغير من حاله قيد أنملة ، فهو كما هو .. يخرج كل صباح من كوخه المرقع بحجارة متشكلة الألوان والأحجام ، المسقوف بقطع من خرد السيارات والأغطية القديمة ، كان قد وضع عليه نتيجة انهمار المطر الكثيف قطعا من البلاستيك ، تزلّف كثيرا لصاحب ورشة طلاء ومعدات كي يعطف على حاله ويعطيه الزائد مما فاض عن حاجته .
أخذته قدماه حيث شارع حارةٍ قديمٍ ، مهترئ يشبه ثوبه المليء بالرقع والخيوط الناتئةِ خارجَ ثقوبه … رأى صبية صغارا يتقاذفون كرة رُقعت جلدتُها –أيضا- وبان الخيطُ الأسود الذي اشتغل بتصميم دقيق فظهر كأنه عينان غائرتان في بطن كرة . كان يتمنى في لحظته هذه أن يمر من أمامه أحد الرجال الذين يمقتهم كثيرا كي يعكر صفو مزاجهم بطلبه لسيجارة تطفئ غائلة الفضول لديه ويمر يومه بسلام دون هرج .
ظل يمشي مترنحا …فالدوار لم يفارقه طيلة أيام ثلاث ، قال في نفسه : كيف سأكون ؟ رجل مثلي في وطنه يشعر بالجوع ينهش أمعاءه ، وبالبرد يقرمش عظامه ..فهو حليف الهبوط وسوء التغذية ..تحسس الحوائط مقتربا من مقهى معتوق المبني بسعف النخيل ..حيث روائح القهوة بالحبهان والشاي بالنعناع وأصوات تلفاز صغير الحجم غُطى بخيشة من فوقه وعلى جوانبه كأن صاحبه يخشى عليه البرد والعين …فقد تدلت أشياء كثيرة من جوانبه تظهر كأقراط نساء .
دخل والهدوء يشمله …ثم أدلف تحيته استدار معها النادل مبتسما : أوه ياصاحب الرقعة ! وينك من زمان ما شفنا طلتك ؟!
رغم الشقاء لكن حديثه كان مجلب الراحة ومبعثها لكثير من الناس .
قرّب النادل إليه كرسيا .جلس ..وسرعان ما أوتي بالشاي والخبيز .. غير أنه دفع كأس الشاي بحركة فيها خبث ودهاء !!
أيوة حقك علينا ..اطلب وتمنى !
وضع قدمه اليمنى على اليسرى ؛ فبان السروال الأصفر المليء بالثقوب تعلوه رقعة حمراء .. قائلا : ثلاث سجائر لاأكثر !
غالي والطلب رخيص !
لم تمضِ دقيقة حتى جيء بعلبة سيجار بدت مكمشة من كثر ملامستها وبيع سجائرها للزبائن الفضوليين …وضعت إلى جانب سفرة الشاي .. تلقفها كمن يتلقف لفة طفل شغف به .
استنشق واستروح ، نظر في السماء …شعر بعينيه قد ثبتتا في محجريهما ..توقف الدوران استعاد نشاطه …وظل يراقب حركة المارة من أمامه ..حيث امرأة ترتدي فراشية بيضاء ظهرت ساقها كعصا المكنسة …أخرى تبدو ممتلئة ….تثقل حركتها على الأرض تُخرجُ نصف عينها ..ابتسم لها ضاحكا تنحنح ..فالتفتت …هزّ رأسه ممتنا …واصلت المشي ببطء ..تبدو كأنها ترقص … عثرت ..قام مسرعا ..”اسم الله اسم الله”
قامت خجلة …استرجعت الغطاء على وجهها وولت مسرعة ..عاد إلى كرسيه ..فكان وجه إحدى الجميلات يظهر على شاشة التلفاز الصغير وهي تلوك الأخبار ..تشبه كمن يمضغ علكة ليمجها في أول طريق ..اقترب أكثر ..أحدهم استنكر قائلا : هذه طاولتي ! أشار بيده “اصمت” تركزت عيناه على جِيد المذيعة …ابتسم …تداخلت الشاشة فظهرت الحشود …الثورات ..الانفجارات والحرائق..متتالية ..
قال للنادل ماذا يريد هؤلاء ؟
أجابه شاب ٌ أرعن أبيض الوجه مليء بالبثور التي تشبه الرقع:
الحرية والديمو قراطية …!
افتعل صاحب الثوب المرقع حركة بشفتيه تنم عن استنكار لايخلو من استهزاء ! وهل الحرية ستلبسهم ثيابا غير مرقعة !
اقترب معتوق –ساحبا كرسيا – ليدنو منه : بل ستجعلهم عراة !
ضحك المرقع حتى استلقى على ظهره …تصْدرُ ضحكته ببحة مخلوطة بكحة ..قائلا :
والديمو قراطية …. ماذا ستعطيني ؟ بيتا لايقْطر ؟ زوجة جميلة ؟ وحمارا أدور بيه بين الشوارع المهشمة ؟
قاطعه الشاب الأرعن : أنت تريد أن تملأ كرشك وترتدي ثيابا فاخرة ..هذه لاعلاقة لها بالثورات .”.مسقوفك واطي !!
غير أن المرقع كسر عينيه تُجاه الشاب …سحب سيجارته الثانية …بينما رشف الشاب ما تبقى من شاي … ومعتوق ينتظر الرد … والمذيعة تحاور رجلا بدينا بدتْ عليه علامات الغضب واحمرّت أذناه !!
نفث سيجارته ثم قال : حسنا ..سأثور …لأمارس حريتي عليك !
فقال الشاب : وكيف ذلك ؟
فقال المرقع : لاستعيد حريتي وأبني قصرا ..وأُشبع بطني ..فإنه يحق لي باسم الحرية أن أحطم وأسرق وآخذ كل من له ملكا خيرا مني !
فرد الشاب: هذه فوضى !
رد المرقع دون إمهال : الحرية فوضى ..والفوضى حرية !
رد الشاب : أنتم جاهلون لاتستوعبون الثورة إلا في ثوب مرقع !!
أنا رجل يريد أن يستعيد حياته المنهوبة …
أنت رجل يجب أن تعمل كي ترتدي مثل باقي الناس !
التفت صاحب الثوب المرقع ، ووقف كمن على خشبة مسرح :
أي ناسٍ هؤلاء .؟!.أشار إلى معتوق الذي اشتعل وجهه شيبا ..
أم هؤلاء؟ مشيرا إلى التلفاز الذي انقسمت فيه الصورة على أربعة أجزاء مظهرة ثورات في كل مكان …
أم هؤلاء مشيرا إلى امرأة تمد يدها متسولة في أقصى ناحية من الطريق !
تلقف المرقع علبة السيجار.. وخرج يشق الطريق بحذائه الذي بدا أنه تآكل من شدة التخييط …
رشف الشاب ما ترسب من شاي ..وجلس معتوق متنهدا يتمتم باستغفار خفي …
كان المرقع يمشي في الطريق وعيناه تومضان ببريق يلفهما الغموض …اقترب من عربة ربطت في حمار …استلها صارخا ..لالالالا
أسرع متجها حيث لامكان ..وصاحب العربة لاهثا وراءه ..هيه هيه أنت!
كان يُسرع الخطى مرددا (لالالالا)تقطع النعل ظلت قدماه حافيتين ..الصِّبْية من خلفه يهرعون مبتسمين صارخين بعضهم يصفق والآخر يصرخ ّ!
اقترب من مكان مرتفع فوقه جنود ينظرون باستغراب نحوه !!
رقص المرقّع أمامهم …أخرج لسانه مشاكسا … أشار بحركة رمزية إلى رُقع ثوبِه ..يشبه حركة الأخرس الذي يحاول النطق …
الرجال الملثمون ينظرون نحوه بسكينة …
كانت الحركة الأخيرة قد استفزتهم فقفزوا ..هرع المرقع مدبرا ..لكنهم سبقوه ..انهالوا عليه بالعِصي عاد إلى كوخه يجر رقعاته وخيباته ..كل عظم من عظامه يطقطق ..وجهه أصيب برقع واضحة بألوان مختلفة ..تمزقت شفتاه ..سقط نابه الوحيد …شُجّ رأسه الذي يشبه جمجمة خالية من اللحم .. انفصل البنصر عن الخنصر …شعر بتقيء وغثيان بآلام تمزقه …طبلة أذنه ظلت ترسل موسيقا غريبة ..ناموس كوخه وحشراته التي تسكن معه تحشدت على الدم السائل من شفتيه …ذباب أزرق احتوش على عُقل شعره المتيبسة
أظلم الليل وهو يئن : آه ..آه …آه
كان صوت المذيعة يتلاعب في محيط رأسه …هذا وقد أطلق مجهولون الرصاص الحي…بينما ضُرب أحد المواطنين بالعصا الكهربائية …وديس بالأقدام حتى تمزقت رقع جلده …
تحسس بدنه لعل رصاصة طائشة رشقت فيه دون شعور منه !!
أغمي عليه ..ونام حتى اللحظة !.

أضف تعليقاً