هذه السمنة التي عذبت الجسد و استضافت إليها بعض الأمراض المزمنة جعلت رئيس المصلحة ينزل السلالم الرخامية بمشقة كبيرة ……….
يرتكز فيها كل مرة على الحائط ليعيد جمع أنفاسه التي كادت تغادر رئتيه.
بعد كفاح كبير يصل الطابق السفلي قاصدا (عبد الحميد)
في القاعة الإعلام الآلي………
(عبد الحميد) الرجل الطيب الهادئ الحنون ….يقضي جل يومه في هذه القمرة الزجاجية التي سميت ظلما (قاعة الإعلام الآلي) لا يجالس أحدا إلا الآلات … تتقاذفه اليوم كله ….لا يهدا له بال حتي يقضي على استقامها .
يتوقف رئيس المصلحة . يستنشق كمية كبيرة من الهواء …..يطرق طرقتان خفيفتان على الباب يفتحه ثم يجلس……
يتكلم مبحوحا (عبد الحميد المدير بريدك)
(سأنهي مسح الملفات و اصعد إليه )
(ياهذا لا تتسبب لي في المشاكل اذهب الآن )
لست ادري لما روض هذا المسؤول الموظفين ترويضا حتى صرنا لا نسمع في الرواق الا الهمسات و لغات الإشارة
استقبلني بحفاوة رابني أمرها
(اجلس. اشرب العصير فقد حضرناه لأجلك)
(شكرا) باحتشام .
(لطالما ورد إلى مسامعي تفوقك في مجال عملك )
(هل أنت متزوج )
(لا)
(خيرا فعلت فالوحدة مريحة لكنها مؤلمة )
لما يطرح هذه الأسئلة مذا يريد أن يعرف, اعلم جيدا أنه ماكر لايحب إلا نفسه و لا يقدس الا مصلحته
يدخل في الموضوع
(لاأخفي عليك قد اعترضت سبيل صديقي في الولاية المجاورة مشكلة… في وحدته المركزية جعلته يفقد ملفاته و كل أعماله متوقفة)
(قد اشتكى إلي همه وأخبرته أن هناك من يفرج كربه)
(أتعلم من هو حلال العقد هذا )
(لا)
( بالطبع أنت هو أيها البطل)
(فهل فيك ما يحفظ ماء وجهي أمامه)
(وجهك يا سيدي محفوظ لكن بعد معاينة المرض)
(ستوصلك سيارة الشركة غدا ,ويكون إيابك مساءا عليهم)
(جهز نفسك وان احتجت لأي شيء اتصل بنا )
ما إن أشرقت الشمس حتى كانت السيارة تطلبني أمام باب المؤسسة
بعد ساعة وصلنا المكان المقصود ’ قد كان في انتضاري أمين مدير المؤسسة الذي رحب بي لينتهي أمري على غرفة فاخرة جميلة ,بها الكثير من الشاشات الصغيرة. كانت مركز سري لمراقبة العمال , وقد تربع الحاسوب المريض على زاوية صنعت خصيصا له.
أخذت أجس نبضه و أحاول الولوج إليه من كل الجوانب ’ وأمين المؤسسة يرمقني بنظراته يحاول التمدرس أكثر مما ينتظر الفرج
يدخل علينا رجل ببدله فرنسية مع ربطة عنق ظريفة و سيجار كوبي يشده بأصبعين يرتديان خاتمان ذهبيان بأنف مشدودة إلى الأعلى و عينان ثاقبتان كأنما سرقت ابتسامتها من دون أن يسلم أو يرحب أو يهلل يسأل في غضب آمين المؤسسة (اين وصلت الأمور؟ ) ثم ينصرف.
سألت.
(من هذا الشخص؟)
(هذا مديرنا خبير في الحسابات ,أمي في المعاملات جميلة انه لا يفتح باب الشهية للواشين و المؤلبين )
بدى و كأنه يُكِنُ لي حقدا أو غلا دفينا …..كيف يراودني هذا الإحساس )
كان دماغ الحاسوب محتلا من طرف الفيروسات ,و لم تكن تطبيبه ضنكا على أي مهندس مبتدأ في المؤسسة.
يلج علينا للمرة الثانية , نفس التصرف , نفس السؤال , يرميه أمنيه بجواب أخر.
(قربنا من النهاية يا سيدي؟) ثم ينصرف.
أكملت كل شيء و بدأت أتحقق من حسن صنيعي
لقد كان هذا الحاسوب الأمر الناهي الذي تخضع له حواسيب المؤسسة حاله حال مديرنا . يعود المتكبر المتغطرس إلينا اخبره خادمه بان الكل عاد كما كان.
امسك هاتفه واتصل بمديري وانزل عليه جبالا من الشكر والثناء ووعده بمأدبة فاخرة ولم يَجد علي ولو بكلمة ترحيب وأنا الأولى بالمدح من المدير, قادني الأمين إلى المخرج .وكم ثار سخطي عندما اخبرني أن سيارة المؤسسة معطلة و انه لن يتكفل احد بإعادتي.
في الحافلة تملكني اشمئزاز كبير حين عقدت مقارنة بين قصتي وقصة الفلاح الذي استلف حمارا للحرث , استنزف منه قواه ولما أرجعه انهال على صاحبه بالمدح والثناء بينما هجم الحمار على الكلأ ينهشه نهشا رد صاحب الحمار:
(مدحك كان سيقبل لوكنت رفيقا بالحمار هومن اشتغل لا صاحبه)
على الاقل صاحب الحمار كان حكيما ليس كصاحبي الذي لم يكلف نفسه عناء السؤال عني ….
الأن علمت لما يدعي مهندسو مؤسسته جهلهم بأمور الحاسوب…….لكن الدنيا دروس.