اليوم وبينما أتسوق بعض متطلبات البيت من السويقة، انزلقت قدمي في بركة مياه واتسخت ملابسي؛ وما لفت ذلك انتباه المارة، وما تقدم أحد ليأخذ بيدي، فقط نظرات بلهاء، باردة، لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا صاحب محل فاكهة وخضار، جاءني مهرولا، خلع معطفه الأسود الطويل الذي يغطي حتي ركبتيه برغم أنه طويل القامة، فتحه لأدخل يديَّ في كمَّيه، مرددا (ولا يهمك يا أستاذ ألف سلامة البس البس)
انتفضت واقفا في قمة الخجل والكسوف، ونفضت بعض ما علق بملابسي من طين، شكرت التاجر الذي أخذ بيدي وأدخلني متجره وأصر أن أرتدي معطفه….

في طريق العودة إلى البيت تذكرت ما حدث منذ ما يربو عن ثلاثين عاما ……
بعد أسبوع من الغياب خلف السحاب والأمطار الغزيرة، أطلّت علينا الشمس بألسنتها الدافئة، لتلعق ما تركته الأمطار من برك مياه امتلأ بها فناء المدرسة.
خرجنا في ذاك اليوم من الفصل لنتشمس ….
وبينما ألعب وأمزح مع أصحابي انزلقت قدمي في بركة مياه واتسخت ملابسي، وقام أصحابي بمساعدتي على الوقوف، وتنظيف ملابسي، وخلع حسن معطفه وألبسه لي، لم يكن حسن متفوقا دراسيا بقدر تفوقه في الجانب الإنساني.

في اليوم التالي وضعت المعطف في كيس من البلاستيك بعد أن غسلته وعطرته، حملته في يدي وذهبت إلى ذاك التاجر وقلبي يفيض شكرا وثناءً على شهامته، وأتمنى أن تأتي اللحظة التي أرد له فيها بعضا من هذا الجميل.

ما أن دخلت المحل وظهرت عمامته من بين أهرامات الفاكهة وسباط الموز المعلقة، وألقيت عليه السلام، إلا وقام واقفا ورادا للسلام، وانحنى ليسحب كرسى لأجلس عليه، جلست وشكرته وأعطيته المعطف وقبل أن نتعرف دق جواله، استأذنني في الرد، لاحظت على وجهه أثناء رده علامات الارتباك والقلق والتوتر، وسمعته يقول ”حاضر أنا جاي بسرعة“
والتفت إليّ قائلا باستعجال ”معلش يا أستاذ استأذنك أمي تعبانه ألحق أنقلها إلى المستشفى“
قلت في نفسي جاءت الفرصة لرد بعض الجميل، خرجت قبله مسرعا، فتحت باب سيارتي، اركب اركب، ركب بجانبي وفي الطريق أخبرته أني طبيب.
هناك،، قمت بقياس ضغط الدم وجدته عاليا جدا مع صعوبة في التنفس؛ ”حالة ارتشاح رئوي، حالة خطرة“
قمت بعمل بعض الإسعافات الأولية، وحملناها إلى المستشفى حيث وحدة العناية المركزة، تم استكمال اسعاف الحالة، وتعافت بفضل الله تعالى.
في طريق العودة بها إلى بيتها استكملنا التعارف، فإذ به حسن صاحب معطف الابتدائي.

أضف تعليقاً