بفزع أغلق جرس المُنبه برناته المُضجِرة، تمطّى، تثاءب مستعيذًا من الشيطان الرجيم، أزاح الغطاء الدافئ مُرغمًا، نهض من الفِراش متثاقلًا، يودَّ لو يشتري ساعة نوم أخرى بكل ما يملك، ولكن هيهات، فاليوم أول أيام السنة الدراسية الجديدة، الوزير سيشرف المدرسة بزيارة مفاجئة، الكاميرات ستنقل الحدث الكبير على الهواء مباشرة.
كم يكره أيام الخريف الكئيبة! ليته كان شجرة تنضو عنها أوراقها الصفراء وتتخلص من كافة أنواع الطفيليات مع هبوب الرياح. لكنَّ أفكاره السوداء وهواجسه لا تفارقه على مدار الفصول الأربعة!
وضع قدميه في النعلين الباردين، مشى إلى الحمام في كسل يُقدم رجلًا ويؤخر أخرى، تفادى الانزلاق على أرضية الحمام المبتلة، تذكر بعد فوات الأوان الصنبور الذي يحتاج للصيانة لوقف التسريب.
في حمامه الصباحي، ولأنه لا يُحسِنُ مَزج المياه جيدًا، شوته مياه الدُّش الساخنة تارة، وارتعدت فرائصه من زخّات المياه الباردة تارة أخرى، وقف ساخطًا ينظر إلى الصرصور الذي يمشي مطمئنًا على حافة الحوض، كأنه في نزهة خلوية، دون أن يقيم لوجوده وزنًا، هل هان حتى على الصراصير؟
بسرعة تناول فردة الشبشب ورفع يده، لكن الخبيث تحرك في الوقت المناسب فطاشت الضربة، اختل توازنه، فانزلقت قدمه الحافية على البلاط المبتل، آلمته السقطة، فزع الصرصور إلى ثقب خلف الحوض وكمن فيه. قام يعلن بالسِّباب ويكتم ألمه، تناول المنشفة، لفَّ بها جسده المرتعش من البرد والغضب، بغيظ أفرغ علبة المبيد في الفراغ الذي توارى فيه غريمه، قبل أن يخرج الأخير من مخبئه مترنحًا، كاد هو أن يختنق من البخار المتكثف على النافذة ورائحة المبيد القوية.
عبثًا حاول أن يتذكر أحداث الكابوس المخيف، الذي أقضّ مِضجعه أول الليل، وجعله يقضي بقية ليلته يتقلب مُسهدًا فزعًا، أخذته سعلة طويلة، انتظر أن تصحوَ زوجته على صوت سُعاله الجاف كشكمان سيارة، وتخفَّ إليه مشفقة بكوب ماء، وهي تربت على كتفه في حنو وتدعو له بالشفاء العاجل.
تذكّر أنها لا تزال عند أهلها هي والأولاد منذ أسبوع مضى، لتعاونهم في الإعداد لزفاف أختها الصغرى، كيف سمح لها باصطحابهم ونسي أنَّ بدء الدراسة على الأبواب!
تنهد مُتحسِّرًا ثم أسرع يفتح باب الثلاجة ليُخرجَ زجاجة ماء، انخلع المِقبض المتصدع في يده، وقعت الزجاجة المفتوحة على أصابع قدمه، اشتعل الألم من جديد، واصل السِّباب، ابتلعت السجادة الماء المسكوب، وضع إناء القهوة على النار.
أحضر منشفة، جلس القرفصاء على أصابع قدميه، انحنى يتتبع الماء المنساب، حين حاول النهوض ثانية لم يطاوعه جذعه المتداعي إلا بألم شديد، أرهقه تنشيف المياه ولمّ السجادة المبتلة، استطاع نشرها على الحبال لتجفّ في الهواء، حيث لا أثر للشمس في هذا الصباح الغائم، عاد بحنق إلى القهوة التي فارت، ستوبخه زوجته عند عودتها لعدم محافظته على نظافة الموقد.
لا تزال معدته تؤلمه، من وجبة العشاء الجاهزة التي تناولها في الخارج. يجاوبها ألم الظهر الذي استجدّ في الصباح.
ارتدى أفخم بزّاته، مع قميص مناسب، اختار ربطة عنق جديدة، رشّ عطره المفضل، بتأفف ألقى جوربه الفوّاح في الغسالة، بضجر بحث عن جورب نظيف، مرّر فُرشاة التلميع على الحذاء المُغبر، تأمل مظهره في المرآة.
أخيرًا تنهد في ارتياح، تناول هاتفه وحافظة أمواله وحلقة مفاتيحه، سحب حقيبة أوراقه، غادر الشَّقة على عجل، على السلم انفلت قطٌّ أسود شارد بين قدميه، كان يفتش عن طعامه، في محتويات كيس القمامة المُمزق إرْبًا.
بصعوبة بالغة غافل الحاج (صبري الأعور) مالك البيت، الرابض عن كثب، خلف مكتب السَّمسرة في الدور الأرضي، متربصًا بالداخل والخارج من السكان، لتحصيل إيجار الشهر الجديد.
ضاع في زحام الشارع وسط جحافل السابلة بين رائح وغادٍ، مرق بين الصفوف الزاحفة لعبور مزلقان القطار المفتوح، استطاع التعلق بإحدى الحافلات، بأعجوبة حافظ على توازنه كبهلوان على حبل، وهو يتأرجح مع المطبات الكثيرة، متصلبَ القدمين على سلم الحافلة، متشبثًا بعامود حديدي مثبت قرب الباب.
من جديد نظر إلى ساعته في قلق، ليته يستطيع الإمساك بعقاربها، ليمنعها من الجري كأنها خيول تتبارى في حلبة سباق، نزل من الحافلة يتكفأ كالكرة بعد أن رفض السائق التوقف تمامًا واكتفى بتهدئة السرعة، تحاشى بصعوبة الاصطدام بسيارة أخرى مسرعة، اكتفى سائقها بالإطاحة بحقيبة يده.
تناول الحقيبة التي ظلت مغلقة لحسن الحظ. نظّف الحقيبة بمناديل ورقية وجدها في جيبه، بحث عن سلة قمامة دون جدوى، رمى المناديل خلسة متأذيًا، بغضب رمقه عامل نظافة كان يكنس جانب الطريق. تجاهله مضطرًا صارفًا وجهه للناحية الأخرى. سوّى هندامه على عجل، ثم انطلق قاطعًا المسافة المتبقية إلى المدرسة هرولة، والحقيبة تتأرجح في يده ذات اليمين وذات الشمال.
وجف قلبه من منظر الباب الموصد، توجس خيفة ووقف متحيرًا لبرهة، ثم دقّ الباب بإلحاح، بعد دقائق خالها دهرًا فتح الفرَّاشُ المُسِنُّ، وهو يفرك عينيه من أثر النّعاس، تأمله قليلًا ثم حدجه بنظرة عتاب قائلًا:
– خيرًا يا أستاذ (عِرفان)؟ ألم تسمع بقرار تأجيل الدراسة؟
- صباحٌ خريفيٌّ غائم
- التعليقات