بفزع أغلق جرس المنبه المُفاجئ، تمطى، تثاءب، نهض مرغمًا، يود لو يشتري ساعة نوم أخرى بكل ما يملك، ولكن هيهات، فاليوم أول أيام السنة الدراسية الجديدة، الوزير سيشرف المدرسة بزيارة مفاجئة، الكاميرات ستنقل الحدث الكبير على الهواء مباشرة.
كم يكره أيام الخريف الكئيبة!
في حمامه الصباحي، ولأنه لا يُحسن مزج المياه، شوته مياه الدش الساخنة تارة، وارتعدت فرائصه من زخات المياه الباردة تارة أخرى، وقف حائرًا ينظر إلى الصرصور الذي يمشي مطمئنًا على حافة الحوض، كأنه في نزهة خلوية، دون أن يقيم لوجوده وزنًا، هل هان حتى على الصراصير؟
بصعوبة تناول فردة الشبشب ورفع يده، لكن الخبيث تحرك بسرعة فطاشت الضربة، اختل توازنه، فانزلقت قدمه الحافية على البلاط المبتل، قام يعلن بالسباب ويكتم ألمه، تناول المنشفة، لف بها جسده المرتعش من البرد والغضب، بغيظ أفرغ علبة المبيد في الثقب الذي توارى فيه غريمه، قبل أن يخرج الأخير من مخبئه مترنحًا، كاد هو يختنق من رائحة المبيد القوية، والبخار المتكثف على النافذة.
عبثًا حاول أن يتذكر أحداث الكابوس، الذي أقض مضجعه أول الليل، وجعله يقضي بقية ليلته يتقلب مُسهدًا فزعًا، أخذته سعلة طويلة، انتظر أن تصحوَ زوجته على صوته، وتخفَّ إليه بكوب ماء، تذكّر أنها لا تزال عند أهلها من أسبوع، لتعاون في الإعداد لزفاف أختها الصغرى، أسرع يفتح باب الثلاجة ليخرج زجاجة ماء، انخلع المقبض في يده، وقعت الزجاجة المفتوحة على أصابع قدمه، اشتعل الألم من جديد، واصل السباب، ابتلعت السجادة الماء المسكوب، وضع إناء القهوة على النار، أحضر منشفة، أرهقه تنشيف المياه، لمّ السجادة، نشرها على الحبال لتجف، عاد بحنق إلى القهوة التي فارت، لا يزال بطنه يؤلمه، من وجبة العشاء الجاهزة، التي تناولها في الخارج.
ارتدى أفخم بزاته، بذلة عتيقة ذات ثلاث قطع، بمنديل أنيق يطل من الجيب العلوي، مع قميص مكوي، اختار ربطة عنق مناسبة، رشّ عطره المفضل، بتأفف ألقى جوربه الفواح في الغسالة، بضجر بحث عن جورب نظيف، مرر فرشاة التلميع على الحذاء المغبّر، تأمل مظهره في المرآة، تنهد في ارتياح، تناول حافظة أمواله وحلقة مفاتيحه، سحب حقيبة أوراقه، غادر الشقة على عجل، على السلم انفلت قط أسود بين قدميه، كان يفتش عن طعامه، في محتويات كيس القمامة الممزق إرْبًا.
بصعوبة غافل الحاج صبري الأعور مالك البيت، الرابض عن كثب، خلف مكتب السمسرة في الدور الأرضي، متربصًا بالسكان لتحصيل إيجار الشهر الجديد، مرق بين الصفوف الزاحفة لعبور مزلقان القطار المفتوح، تعلق بإحدى الحافلات، من جديد نظر إلى ساعته في قلق، ليته يستطيع الإمساك بعقاربها، ليمنعها من التقدم، قطع المسافة المتبقية إلى المدرسة هرولة، والحقيبة تتأرجح في يده.
وجف قلبه من منظر الباب الموصد، دقّ الباب بإلحاح، بعد دقائق فتح الفرَّاشُ، وهو يفرك عينيه من أثر النّعاس، نظر إليه بعتاب قائلًا:
– خيرًا يا أستاذ عرفان؟ ألم تسمع بقرار تأجيل الدراسة؟.
- صباح خريفي غائم
- التعليقات