مرت مرحلة الطفولة على وجداني خصبة بالخيالات الساحرة و الأخّاذة ، كانت مفتوحة على عوالم متداخلة من الأطياف و الأبعاد التي كان بعضها خصبا واعيا و الآخر موغلا في الخرافة ، لا جدار يفصل بينهما ، اللا منطق سيد الموقف يقفز على الجدار أو يخترقه ، و لا أحد يستطيع أن يسأله إلا التقدم في السن و الدلوف على حافة الشباب ، و لاشك أن الكثير من الناس رافقتهم مفاهيم خاطئة منذ طفولتهم لا يعرفون متى صححوا تثبيتها على أجهزتهم الدماغية إلا إذا كان الأمر مربوطا بحادثة اصطدام أو توبيخ.
من أبرز ما يتركني إلى الآن أموت ضحكا على نفسي بعض التأويلات الخاطئة مثل موقفي و أنا في المسجد أتعجب منهم و هم يتمايلون مترنحين ، يحرّفون القرآن ، رغم أنهم شيوخ كبار يتوسطهم إمامهم الذي يعلمهم الإصرار على هذا التحريف ،في فترة من الفترات راودتني فكرة أنهم مجموعة من اليهود تجمّعوا في مسجد الحي ، و قد شرعت في العديد من المرات في استرجاع ألقابهم و التدقيق في سحناتهم لأستشف فيها ما يؤكد نظريتي فيهم ، فلم تكن أذني في ذلك السن تستسيغ الرفع في هذه الآية ( الطلاق مرتان ) كنت أعتقد و لمدة طويلة أنها يجب أن تكون (مرتين)، إلى أن درست مبادئ النحو و استوعبتها كما استوعبتموها أنتم جميعا .
و من بين هذه المواقف أيضا أنني كنت أقرأ نشيد شعب الجزائر مسلم ، فإذا وصلت إلى عبارة (فإذا هلكت فصيحتي) ، كنت أقرأها بكسر الصاد أي هلكت اللغة الفصيحة التي يمتلكها ابن باديس ، و كنت أتأثر بهذا المقطع الذي أتمثّل فيه موت اللغة العربية التي تبناها إمام النهضة في الجزائر، لم أصحّح فهمي هذا حتى استمعت إلى المجموعة الصوتية تنشد هذا المقطع .
و كنت أقرأ على الكتب المدرسية عبارة (ملك الدولة الجزائرية يمنع تسويقه) ، فحسبتها ملك بكسر اللام ، و كنت أعتقد أن هناك فعلا ملكا يمنع هذا التسويق ، مع كوني أشاهد الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله يوميا يوزع مفاتيح السكن على الفلاحين، تعايشت مع الفكرة معتقدا أن ملكا خفيا له بعض السلطة يمنع أشياء و يجيز أشياء أخرى ، كم ضحكت على نفسي عندما اكتشفت مدى انحرافي في القراءة !
كنت أتعجب من كلمة (larme)التي تعني باللغة الفرنسية الدموع ، لم أستسغها لمدة كبيرة إلى أن عرفت أن الدموع هي سلاح النساء و الضعيف ، ارتحت حينها و خدعت ذوقي ليتقبلها و ليترك لها مكانا في هذه الذاكرة المنهكة مستغلا اقترابها من كلمة (arme) التي تعني السلاح.
العجب أنني في تلاوتي لسورة المسد كنت أبغض زوجة أبي لهب أكثر من أبي لهب نفسه ، لم أكن أدري سبب ذلك .
و كنت أتعجب من ذلك الكره الشديد لليهود ، هل هو طبيعي أو مجدي ؟ ربما لو شحن مكانه حبّ فيما بيننا كان يكفينا مؤونة كثيرة ، هذا طبعا بعيدا عن عقيدة الولاء و البراء ، و عن الاختلاف العقائدي والتاريخي الثابتين شرعا و واقعا ،أرجو تفهّم الفكرة كما أريد إيصالها.
و أنا صغير ، زمن المراهقة كنت أتحفظ تحفظا كبيرا من كعب الأحبار، بصريح العبارة لم أتقبل أن يكون لأجنبي بصمات في الوجدان الإسلامي ، هذه انطباعاتي في تلك الفترة ، لست الآن بصدد تقييم موقفي ، بقيت نظرتي نفسها في مواقف تقارب هذا الموقف ،لا أحب أن أفتح النار على شخصي حتى لا أنشغل بالهجومات ذات التعليب المجهّز و الخصام غير المجدي .
كما كنت عندما أقرأ أحاديث قيام الساعة أحس بوشك وقوعها إلى درجة أنني أتوقّع أنها ستحدث قبل أن أصير شابا في العشرين ، الآن أميّز ـ فيما أعتقد ـ بين عمر الإنسان و عمر الإنسانية .
كنت أعتقد أن حارتي هي مركز الولاية ، و أن إمامنا ليس مثله إمام في فصاحته و علمه و تقاه .
رغم هذه الشطحات فقد حدث و أن سألني أحد أصدقائي المسجديين :
ـ هل الشك في الحدث كفر ؟
فأجبته بـ (لا) ، فقرأ عليّ بيتا من متن ابن عاشر ،
و الشك في الحدث كفر من كفر
طبعا بلكنته قرأها الحداثي ، ضحكت في تلك اللحظة و قلت له :
ـ لقد حذفت الواو من العجز للضرورة الشعرية ..
فرحت حينها لأنني في تقديري ارتقيت إلى مستوى أصحح للناس مفاهيمهم الخاطئة، و لم أكن أدرك أن صدري و فكري مليئان بالضبابية في المصطلحات و المفاهيم آنذاك ،و حتى الآن ، فاللهم أخرجنا من ظلمات الوهم ، وأكرمنا بنور الفهم..

أضف تعليقاً