..نهض، كالعادة، من فراشه مذعورا، وصدى صيحة يُكرر : اللص،اللص، يتردد في دماغه.. اخذ بندقيته المحشوة ، وطاف على كل الغرف، اطل على التواليت والحمام، انحنى بحذر شديد تحت السرير، فتح الخزنات، تفقد الاموال الكثيرة، مسح عليها بكفه كأنه يمرره فوق راس متعب، ولم يهدأ باله.! فتح الباب الخلفي، وخرج الى الحديقة ، متسللا، حتى يطمإن الى عين الحارس أمازالت متحفزة كالزناد ام سرقتها غفوة عابرة. ! كان الجدار عاليا كحاله دائما، والكلاب الشرسة الضخمة في مكانها رابضة، والحارس قرب بندقيته يدخن سجارة.. عاد، متسللا، دون ان يزيح اصبعه المتحفز عن الزناد، واغلق الباب بإحكام،دون ان يرتاح قلبه تماما.! راجع حصيلة الصور التي جمعتها الكاميرات المبثوثة في كل ركن من الدار، ومن الحديقة، وفوق الجدار. مرر صور الكاميرا الخاصة بمراقبة الحارس، لم يكن هناك ما يثير الشبهة، ومع هذا لم يهدأ قلقه، ولم تعد جفونه المفتوحة كحدود بلا حراسة تحلم يالنوم.!
انغرس الخوف عميقا في نفسه، وصار هُجاسا تحتد وسوسته كل حين، رغم كل الاحتياطات الشديدة التي رسمها حوله كخنادق، ولم يعد يعرف كيف يخرج من هذه المتلازمة القاتلة ، إذ كلما نما المال في رصيده نما الخوف في نفسه.! صحيح، بلغ تخوم التطرف في اجراءاته الاحترازية، وطلب من الحارس ان لايسمح لاي متسول او متشرد او صنوهما بالاقتراب من جدار الحديقة، مهما كلف من ثمن، وزوده بالذخيرة والحصانة، وكان يقول له :
– المتسولون والفقراء عموما مشاريع لصوص، والصدقة عتبة تمدها امامهم ليسرقوك غدا.!
بل بالغ حدّ فرض التفتيش على كل من يدخل ويخرج من داره الكبيرة، وسن قانونا يتيح له معرفة ما في جيب كل داخل وخارج، حتى لاتمتد يد طائشة الى مال فائض عن الخزنات.!
ولم يكتف.. فتمادى الى درجة ان منع زوجته واولاده من السكن معه، مادام له فائض من المنازل، كي لايضطر الى تفتيشهم كل حين.! وصار يقول بملامح جامدة كأنها لتمثال :
– الثقة بذرة لاتنبت في صحراء نفسي، ولا اريد لها ان تنبت.!
ولم تنبت..! كما لم تكف كثبان الخوف عن العبث بخريطة الصحراء في روحه. ولم يتمكن من ان ينعم براحة البال، من ان يملأ مسبحه الفخم باوراق المال الناعمة ويغطس في رغوتها، ويذوب، بجفن مطمإن كما كان يتمنى، رغم كل ما فعل.! وظل الخوف جرادا يفقس بيضه الغزير السريع في روحه رغم كل مبيداته من الاحتياطات الشديدة.! تمنى ان ينام دون ان تجوب اشباح اللصوص احلامه.. لايستطيع ان يتناول قرصا منوما.. وحتى خمره المفضل لم يعد يحتسي منه سوى بضع جرعات. وانقطع عن كل ما من شأنه ان يذهب به في نوم عميق.!
اشعل سجارة فاخرة اخرى.. عاد الى شريط الصور يتفحصه بهدوء من جديد. استوقفته صورة تُظهر يده اليسرى وهي تمسك حزمة من المال.. تمعنها مليا.. كانت يده حقا.! استغرب الامر.. راجع شريط ذكرياته، لم يتذكر شيئا.. تأججتْ وساوسه.. لم يفهم كيف.!! فهو لم يعد يمسك المال بيده اليسرى، منذ ان وعى ان الشهادة لاتجوز إلا باليمنى، اليمنى المفضلة المؤمنة الآمنة المباركة المطوبة في الجنة، وان اليسرى منحطة كافرة عقيمة كفها موعود بجمر جهنم.. وهاهي في الصورة تمسك المال. ؟ نهض من مكانه. اشعل سجارة اخرى.. كانت خيوط الصباح تتسلل تحت مراقبة الكاميرات والكلاب والحارس الى نوافذ الدار المقفلة.. نظر الى الساعة الذهبية. والى الصور القادمة من كاميرا مراقبة الحارس. وخرج ليفتشه قبل ان يخلي مكانه لحارس النهار الذي سيفتشه بدوره قبل ان يدخل، كما اعتاد ان يفعل كل صباح ومساء، بعد ان شدد من احتياطاته.!
وبينما يده تتحسس جيوب الخادمة ، التي تأتي كل صباح وتذهب كل مساء بعد التفتيش، سَرَتْ قشعريرة لذيذة في جسده، لكنه أجلها الى وقت لاحق.! واسرع الى سيارته، بعد ان اقسم ان لايثق في اي سائق يجلسه وراء مقودها، وصار يقودها بنفسه.! انطلق مسرعا، باتجاه مقهاه المفضلة، وترك الحارس يغلق وراءه الباب.. لما انهى قهوة الصباح، اخذ سيارته الى عيادة طبيبه الخاص. استقبله بالاحضان، بعد ان اخرج زبونا وطلب منه ان ينتظر قليلا لينهي فحصه بعد ان ينتهي.! وبعد المصافحة الحارة، لم ينتظر طويلا، وضع يده اليسرى على الطاولة، امام الطبيب، وقال له بعصبية من طال به الارق :
– إقطع هذه..!
تراجع الطبيب خطوة الى الوراء. وقالت عيونه المندهشة :
– أ انت بكامل قواك العقلية.! ؟
– نعم، انا بكامل قواي العقلية، فاقطع هذه..!
خبط بها الطاولة، واخرج باليمنى شيكا وضعه امام الطبيب، وقال بابتسامة إغراء :
– والباقي عليك…
فابتسم الطبيب.!

أضف تعليقاً