عطرها وحده كان كفيلاً بهزيمتي، كل ما أجرته على هيئتها كان مدهشاً، كيف لفتاة بسيطة بثيابها المحتشمة أن تنقلب إلى سيدة تضج بالأنوثة والحياة والشباب؟.
في مدة دقائق وجيزة قضتها في الحمام؟
تبادر لذهني سؤالٌ مُلِحٌ، أين كانت تخبئ هذا الجمال …؟ وهذه الثياب المثيرة التي لم تحرك في مشاعري سوى الدهشة والغيرة الدفينة … حِذاؤها العالي، شعرها الذهبي، فستانها الوردي، خطواتها الواثقة.
كل العيون المعلقة عليها، تؤكد أنها الأنسب للوظيفة الُمعلن عنها في فندق كتاركت، الفندق الذي لم أدخل مثله في حياتي من قبل، ولا حلمت يوما أن أكون من رواده، كُلُهُم أقروا لها ضمنيا بأن الفرصة الوحيدة للوظيفة الشاغرة هي لها، فالوظيفة واحدة، وتنتظر أحدنا.
تمنيت أن يكون دورها أولاً، كي يسقط حمل القلق عن كتفي، بينما حقدي عليها يتنامى ويتعاظم، سقط الملف من يدي المرتجفة وأنا أقلب صفحاته للمرة العاشرة، وما أن لملمت أوراقي حتى عذرتها.
قلت لنفسي، وأنت أيضا تكذب مثلها، أو تتجمل، أما تزودت بشهادة خبرة مزورة ؟ هل فكرت إذا ما اكتشف السيد/ إبراهيم مرسي، أمرها؟
عقدت النية أن أتخلص من الشهادة بعد أداء دورها، فالوظيفة كبيرة وأوراقي بدونها لا تُؤهلني لها، وأشعر بأني الأحق بها، ولا ذنب لي أن الفنادق المتوسطة التي عملت فيها رفضت منحي شهادة خبرة.
ما ذنب تلك الفتاة، حتى تمسها أضغاني؟
أراها جاءت لتلتهم فرصتي الوحيدة، وتُجهز على آمالي المعقودة عليها، الوظيفة التي تنتظرها عائلة كاملة من ورائي وحاجتها للحياة الكريمة،
أزيحُ نظري جانباً، أصطدمت عيوني بزجاج نظيف، عكس وجه أمي الرحماني كالبدر، وصدى صوتها يتردد، يا إبني لاتنسى “رضاي عليك” …
آهٍ لو كنت هنا يا أمي كي ترى وجه الفتاة الذي غطته مساحيق التجميل … لأدركت بطلان حكمتك.
– اتكل على الله ياولدي وفقك الله، كل أوراقك مضبوطة.
– أوراقي ؟ يا لأوراقي الهشة…
جاء دوري للدخول، عاد الأمل من جديد.. أأدخل متسلحا بدعاء أمي الذي لحقني حتى باب بيتنا مودعاً؟ أم بشهادة لاتسمن ولاتغني؟.
مكتبه الباذخ المُرتب جعلني أنتبه لحذائي، ألوم نفسي كان علي إعادة تلميعه قبل الدخول، أما السيد/إبراهيم مرسي، بهيئته الوقورة التي تمنح الزائر الطمأنينة، صمته، وقاره، وملامحه الحيادية، وهو يتفحصني بهدوء، وابتسامة الكرم تسبق كلماته، سلمته الملف بيد مرتجفة، فأنا خاسر لامحال، قبل دخولي تمنيت الوظيفة، والآن أتمنى الحياة فى إدارة إبراهيم مرسي..
فتح الملف، وقعت بين يديه الورقة التي أخشى ظهورها، حدق فيها طاف بنواصيها، أخرجها وحدها من الملف، و تفحصها بدقة ٍكمن يتفحص عملة ورقية نادرة، وقعتُ فى دوامة الشك، فى ثوانٍ مرت علي كالدهر، دقات قلبي لا تهدأ، ورأسي غيمة تمطر عرقاً كاد يغرقني، كلما جففته عاد من جديد، …..
ابتسامة ملائكية غمرت تفاصيل وجهه الطيب، أتذكر كلمات أبي رحمه الله، يحذرني أن أغضب الطيبين، يلومني عقلي المهزوم، ليته ينطق بالحكم ويخلصني من هذا الصراع … ليتني ماجئت إلى هنا…
رفع نظره إلي، وقال بهدوء:
– تقول هذه الورقة أنك عملت بوظيفة مشابهة لمدة أربع سنوات فى فندق “جراند سكاي” … هل هذا صحيح ؟
أجبته: بسرعة، وبلا تردد، لا … كمتهم ينفى التهمة عن نفسه، قالها صوتي المبحوح القادم من بئر عميق…
سقطت عيوني فى الأرض أنتظر العقاب، وأنتظر وقع كلمة(لا) التي فلتت مني، وتهيأت للرحيل، أزاح نظره، المسلط كأضواء كاشفة عن وجهي، شعرت باقتراب الفكاك منه …
عادت إلى ذهني تلك الفتاة المنتظرة خارجا … وكيف ستحصل هي على الوظيفة وتطير من الفرحة كالفراشة.
نقر بأصابعه على المكتب
ها، أين شردت؟ ألا تسمعني؟
– نعم، .. معك، يامستر إبراهيم،
مد لي الملف تناولته بيد مرتجفة وبانكسار عجيب … وقلب واجف
… لم أصدق ماقاله:
– معذرة يا مستر إبراهيم، هل تعيد علي ماقلته؟
بابتسامة أبوية دافئة قال:
– أقول … تم قبولك بوظيفة محاسب مكاتب أمامية، في فندق كتاركت الغردقة (الباشا ريزورت).

أضف تعليقاً