انزوى في ركن قصي، وجال بنظره، فبدت له كلّ الأشياء باهتة لا لمعان فيها .. صرف النّظر عمّ حوله، ومدّ يده إلى جيبه ..أخذ سجارة.. وضعها بين شفتيه .. اشعل طرفها بولاعة مهترئة ،وأخذا نفسا عميقا، ثم أبعدها، وهو يتامّلها، والدّخان منها يتصاعد حلقات غير منتظمة ؛ راح يتتبّعها حتّى تضمحلّ فيما حولها من هواء.
قضى ردحا من الوقت وهو على هذه الحال حتى اكتملت السّجارة أو كادت، وقد تفطن لذلك لمّا أحسّ بالحرّ يقترب من أصابعه .. رفعها، ونظرإليها مليا، ثم تمتم .. كلّهم خانوا إلاّ أنت .. لست أدري أوفاء لتؤذي.. أم وفاء لعشرة عمر.. ألقاها بعيدا ثم انتصب قائما، وهمّ بالخروج ، فقد احتاج إلى شحنة هواء نقي يملأ رئتيه التي أحس بهما تضيقان .. حث ّالخطى حيث منفذ الهواء، وما أن صار خارجا حتى سقط أرضا، وقد أمسك صدره من وقع ألم مفاجئ.
اجتمع حوله خلق كثير مستفسرا ،ومسعفا.. كان يرى وجوههم تقترب منه، ثم تبتعد كحلقات سجارته ، فراح يتتبّع ذلك الاضمحلال، حتى تلاشت كلّ الوجوه من حوله وخفتت الأصوات ، فلم يعد يسمع لها همسا، وقبل أن يطبق جفنيه.. انفرجت أساريره عن ابتسامة باهتة وتمتم.. كلّ الوفاء خائن.

أضف تعليقاً