اختفى الهرّ الصغير فجأة ، رحتُ أبحث عنه في كل زاوية من بيتنا، أعيتني الحيلة في العثور عليه ، منذ أربعة أشهر لم يفارقني ، يأكل ويشرب معي وينام على فراشي،لا أتصور كيف ستكون حاله لو اختفى عني نهائياً ، الضيق والبرم يخيمان فوق ملامحي الشاحبة ، يتملّكني حزن عميق ، ساقي المبتورة لاتعينني على الوقوف متصالباً ، كيف أمد عنقي وأنظر في حوش الجيران . مرت ثلاثة أيام وهرّي الصغير ليس له أثر، كلّما أشاهد قطّاً يثب فوق الجدار أظن أنه هو .
أتكئ بظهري على جدار الذكرى..تصفعني صورة القط الأبيض الذي كان صديقاً لي فيما مضى ، عامان بتمامهما ، كيف أنساه وصورته لا تبرح خيالي عندما عثرت عليه بعد أيام في قمامة الزقاق ميتاً ، سيخ من الحديد يخترق رأسه ماراً بفمه ، حزنتُ من أجله كثيرا فقد قُتلَ القط بطريقة وحشية من قبل أحد صبيان الجيران ، توصلتُ للفاعل بعد يوم واحد فقط ، رغم ممانعة والدتي بعدم تعنيف الصبي إلا أنني أصرًّرت على الذهاب إليه أجذف بعكازتي يعتصرني الغضب .صحتُ به بكل حرقة :
_لماذا قتلت القط ياولد ؟
_لقد قام بذبح حمامتين من حمائمي .
_أتقتله بتلك الوحشية …من علًمك أن تكون شريراً إلى هذه الدرجة..من؟
_بل هوَّ الشرير ..قتلهما وتركهما في مكانهما ونطّ فوق حائطكم .
_لماذا لم تخبرني قبل أن تقتصَّ منه ؟
الصبي لم يحر جواباً ، حاولَ الهرب سرعان ما أمسكته من أذنه اليسرى وعرّكتها بأصابعي ، بيد أنه استطاع الإفلات مني بصعوبة و توارى سريعاَّ ، عدتُ أدراجي إلى البيت لأغلق الباب على نفسي ، حزيناً على فراق مؤنسي وصديقي .
في الفجر أستيقظتُ على صوت مواء خافت يتسلل إلى أذني آت من غرفة المخزن المتروكة ، أهب مسرعاً أكاد أن أسقط على وجهي في مخاضة ماء مبردة الهواء ، رآيته يقعي على الأرض ويموء بألم ، اقتربتُ منه منبهراً بوجوده وعودته إلي ، هالني مشهده وهو ينكفئ على نفسه بخوف .
_تعال حبيبي …..أين كنت ؟!
مدَّدت يدي نحوه أمسح على رأسه، تراجع الهرّ بفزع فاصطدمت مؤخرته بجدار المخزن ، استغربَت تصرفه إلا معقول، يتراجع ليجد له منفذاً للهرب من أمامي .
دققت النظر فيه ثم خطوت نحوه لأمسكه، تراجع واتجه نحو الجدار المقابل فاصطدم به ، يحاول تسلق الجدار ويسقط إلى الأرض ، لمّا هرب باتجاه الباب ، نطحَ الباب برأسه فترنّحَ بجسده لينبطح على الأرض ،
_مابكَ يا صغيري ..لمَ تفعل ذلك معي ؟
ما أن اقتربت منه حتى صحتُ:
_ياإلهي …أنتَ أعمى ، عيناك منطفئتان !
احتضنت الهرّ وضممته إلى صدري .
_من فعل بك هذا …أي وحش هذا الذي فقأ عينيك ؟
وبكيت ، سالت دموعي على خدي وأنا أرى قدمي المقطوعة ملفوفة بقطعة قماش خضراء يحملها الطبيب إلى والدتي الواقفة عند باب صالة العمليات ، أتذكّر جيدا كيف قال الطبيب لأمي بعد إجراء عملية البتر.
_ياحاجّة ادفني تلك القدم …نحن نأسف كان لا بد أن نقطع رجله المتهشمة ..الله يكون في عونكم …أين أصيبَ ولدكِ ياحاجّة ؟
_في معارك الموصل يا ولدي .
أنزلت الهرّ إلى الأرض بهدوء وقلت له :
_لا بأس ياصديقي …أنت الان جائع لم تأكل منذ ثلاث ليال، أنت أعمى وأنا مٌعوق ..سنعيش معاً لن أتركك أبدا، سأعدُّ الفطور الصباحي …إبقَ في مكانك سأعود حالاً .
غبتُ في الداخل قليلاً ورجعت إليه حاملاً معي طعامه . .
وجدته منتصباً فوق الحائط وهو يرمقني بعينين حمراويين ، مكشَّراً عن أنياب تقطَّر دماً ..بدت لي هيئته كمصّاص دماء ، أشعر أنه تحوّل إلى كائن آخر ليس له علاقة بعالم القطط ، رمقني بنظرة عدائية تسحُّ غيظاً وسار يتبختر على طول السياج ، سمعتُ صوت أحدهم يبكي ، لاحَ لي رأس الصبي من وراء الحائط وهو يصيحُ بي قائلاً :
_تعال أنظر ماذا حدث …لقد ذبحَ جميع حمائمي…أريد ثمن ماخسرته…أريد فلوس الطيور ؟!.
- صديقي الشرَّير
- التعليقات