افترش رصيف الشارع، وبدأ يبكي بحرقةٍ وألم ،وهو يدعكُ عينيه، ِويمسحُ ما تسرّبَ من أنفهِ، حائراً لايدري ما يفعله. كيف سيعود الى البيت ؟ من أين يأتي بأجرة الباص؟ وإن استطاع العودةَ ، كيف له النجاة من عقابها المنتظر؟ ستسلخ جلدَه من دون رحمة، اوشفقة ، فقد اذاقتْ طفولتَه الذلَّ، والحرمانَ وجادتْ عليه بالضّرب،والشّتائم لأتفهِ سبب؟.
صباح هذا اليوم وَضَعتْ بين يديه دجاجةً كبيرةً، وأرسلته كما في كل مرّةٍ ليبيعها لها في سوقِ الدّجاجِ . ناولته عشرةَ فلوسٍ أجرة الذهاب إلى السّوق فقط.أما أجرة العودةفسيتحصّل عليها عند بيعها.
لم تنسَ أن تكرر عليه الثمنَ، والويل له إن باعها بأقلِّ من ذلك ،حتى لوبقيَ ينتظر من يشتريها إلى العصر . أنيابُ الجوع بدأت تمزٌق معدتَه. تلفّتَ في كلِّ الإتجاهات ،باحثاً عمن ينقذه من حيرته، وألمه، وجوعه . المرأة العجوز بجانبه ،يبدو أنها أكملت بيعَ كلِّ دجاجاتها ، قبّلتْ الدراهمَ، ومسّتْ بها جبهتَها المتعرقة ثلاث مرات.أخرجتْ من بين طيّات خرقتها نصفَ رغيفٍ مطويٌ . كانت عيناه من بين دموعه، يلاحقان يدَ العجوز ، التفتتْ إليه، وبغريزة أمومتها ٌقد أحسّتْ ْبشدة جوعه .قالت وهي تنفض ثوبها لتذهب : خذه لاحاجتي به، سأذهبُ لبيتي.تلقفته يدُه منها وعيناه قبل لسانه يلهجان بالشكر والامتنان .
مضى وقت طويل نظر حواليه، بدأ سوق الدّجاج يخلو من الباعة والمشترين. يكادكلّ من جاء قد انتهى من بيعه وغادر ،الا هو .
عاد من جديد لنوبةٍ جديدةٍ من البكاء المرير. يالهُ من حظٍّ سيئٍ ، لو لمْ يفقدْ دجاجتَه، لكان الآن في البيت منذ ساعات، ولنَعُمَ برضاها، ولناولته كسرة الخبز ،ولخرجَ يلعب مع أصدقائه ، لكنَّ حظه العاثر هذا اليوم ، جعل الدجاجةَ المربوطةَ من رجليها تقفز من يدِ تلك المرأة التي كانت تساومه على ثمنها،وراحت تتقافز بمساعدة جناحيها لتصلَ منتصفَ الشارع ، حاولَ جاهدا اللحاق بها، لكن عجلات السيارة المسرعة كانت أسرع منه ، جعلتْ من لحمها، وريشها يلتصقان بالأسفلت . صرخ مذعورا ،الدجاجة… الدجاجة ؛ النسوة القريبات منه أبدين أسفهن قالت إحداهن : حرام … دجاجة كبيرة تساوي نصف دينارأ بحاله، حرام راحتْ تحت العجلات …يامسكينة. ثم ما لبثن أن عُدْنَ الى سعار البيع، والشراء. أما هو فظلَّ حائرا لا يدري ما يفعله، فقط لجأ الى البكاء والنشيج .
انقضت ساعاتُ الظهيرة ، وكاد العصر يلملم أذيالَ الرحيل . التفتتْ إلى زوجها : أين ذهب هذا مقصوف العمر، لم يعد لحد الآن؟!…اذهب إليه وأتِ بالنقود، أخشى أن يشتري ببعضها طعاما، ليتسمم به.
نفض الزوج يده من طعامه ، وسارع بالذهاب، باحثا عن ولده الصغير ، الذي تأخر في العودة . لم يجهده البحث طويلا ، وجده متكوّرا قرب سياج السوق، غارقا بالدموع ، ووجه الشاحب بدا بلون وجوه الموتى ، فزَّ الطفلُ حين امتدتْ لترفعه ذراعا ابيه، وانطلق صراخه، ونشيجه : أبي… أبي… الذنب ليس ذنبي …أرجوك أبي أنقذني من غضبها وعصاها.
تلك الليلة لم يستطع النوم، خشية أن تأتيه إلى فراشه، وتنتقم لفقدان دجاجتها ، وتطرقه بعصاها التي لا ترحم.
في الصباح، وعند ذهاب والده إلى عمله، أيقظته:
أقعد … سأريك نجوم الظهر ابن ال………. ربطته إلى عمود السقيفة ، وراحت عصاها تجلد جسدَه الصغير بلا رحمةٍ ، او شفقةٍ غير عابهةٍ بصراخه، وتوسلات جارتهم التي هبّت لنجدته من عصا امرأة لا تعرف الرّحمةَ أبدا.
سكَتَ صديقي وهو يسحب نفساً طويلاً من سيجارته…وعاد ليقول :
– آه…تلك أيامٌ تولّتْ … عُدنا لذكريات مضى عليها خمسون عاما …نعم خمسون عاما ، رحم اللهُ أبي ، كان مغلوباً على أمرهِ ، وغفر لزوجة أبي ، كانتْ قاسيةً، وشديدةً معي، ووديعةً جداً مع أخوتي أطفالها الصغار .
مَسحَ صديقي دمعتين تسللتا إلى أهداب عينيه، وأشار الى صانعه ليلبي طلبات زبائن مطعمه الكبير.
(*) من مجموعتي القصصية ( ذاكرة الطين – 1990)