للكاتبة مهدية أماني الرغاي
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة النقدية
سأنحرف عن صميم النص بالنسبة لفكرة (صراع الانسان مع الزمن) أملا في توسيع هامش الاستفادة أكثر ما دامت الأستاذة مهدية هيأت لنا طبقا شهيا كما عودتنا في نصوصها لكن طبق هذه المرة ذو نكهة خاصة لانها كانت اكثر جرأة في طرح فكرة قضت مضاجع كبار الفلاسفة والمفكرين على مر الازمنة والعصور ،وهيأت لنا ( الفرشة) المناسبة للحديث عن هذه الفكرة بعض الشيء ولو خارج النص المعتمد .
منذ القديم والإنسان يعيش هذا القلق الأبدي الذي تظهر تجلياته في ذلك الصراع الأبدي مع الزمن ، حيث استعمل جميع الطرق ونهج مختلف سبل الحيل والوسائل للسيطرة عليه وإن كانت دوما المعركة غير متكافئة . وقد عبر عن ذلك الصراع في مختلف أنماط تفكيره ومعتقداته على مر الأزمنة والعصور وفي مختلف الأمكنة . ورغم أني هنا بصدد الحديث عن فكرة الصراع التي كانت تيمة جد مهمة وفكرة محورية في نص الأستاذة مهدية أماني ، (القاطع ) هذا النص الذي تقرأه للوهلة الأولى فيتبادر لك انك تقرأ نصا عاديا ولكن سرعان ما تستحوذ عليك الأفكار القيمة التي يطرحها النص حول هذه الفكرة (الصراع) التي تناولتها بأسلويها العذب الجميل ، انطلاقا من الحياة اليومية التي يعيشها الإنسان ، وإن كانت أكثر وضوحا ، فهي لم تعالج هذه الفكرة من خلال الرؤية الفلسفية للظاهرة . وإنما انطلاقا من الحياة العادية والتي تتسم في صراعها بالرتابة والروتين وقد كان الإيقاع السردي سريعا جدا ، موظفة في ذلك لغة تتميز بالجملة القصيرة التي تتلاءم وسرعة الإيقاع .
تناولت الأستاذة فكرة صراع الإنسان مع الزمن ،من أقرب نقطة ألا وهي البيت والحياة العادية اليومية التي تعيشها سيدة الزمن بامتياز وهي المرأة لأنها الأكثر احتكاكا بهذا العدو الذي لا يرحم فإما أن نسيطر عليه أو يتسلل من بين أيدينا كالماء يتسلل من بين الشقوق في أرض عطشى ، و لم تعالج الظاهرة من حيث التفكير الأسطوري والخرافي كالبحث عن الخلود مثلا كما سنرى في الأساطير والخرافات والمعتقدات القديمة ، وإنما تناولتها في حياة المرأة المناضلة والمكافحة في أي مكان وفي أي زمان ، صراع (المرأة مع الزمن) ،هذا الزمن الذي نعيش تحت ضغوطاته ومشاكله و التي تمتصها هي جازاها الله خيرا بالنيابة عنا ، في أي ركن من أركان المنزل ، والمطبخ والسطح، والمدرسة ، فهي تصارع الزمن نيابة عن الإبن والزوج والمجتمع المحيط بها وتصارعه بكل اقتدار وكفاءة .
لقد ألفنا أسلوب الأستاذة مهدية ، ذلك الأسلوب الهاديء الذي ينساب سهلا ممتنعا متمنعا قصيا عصيا عن اللغة المباشرة التي ترمي النص برمته في الابتدال الذي يجعل القاريء ينفر من متابعة القراءة ،فهي لاتفرض إنتاجاتها الأدبية على القاريء يقول (كارسيا ماركيز):”لايصح أن نجبر القاريء على قراءة عبارة مرتين”. وأقول لا نجبره على قراءة اي عبارة ولا يكون الإجبار إلا بسحر الكلمة وجمالها . واظن ان كاتبتنا من الذين يجبرون القاريء بسحر الكلمة فهي كالراعي تعرف العزف على الشبابة لحنا شجيا جميلا يجعل ، متلقيها يقبل على الإصغاء والانتباه وبالتالي المبالغة في القراءة عندذاك تجلبه للتذوق وتستدعيه للمشاركة في إعادة تشكيل النص أو إعادة صناعته فتحوله من قاريء عاد إلى متفاعل وصانع لبناء النص ، فإنك وأنت تكتب كما قال كبريال كارسيا ماركيز
frown رمز تعبيري
تستطيع ان تقبض على الأرنب لكنك لا تستطيع أن تقبض على القاريء ) طبعا لا يقبض على القاريء إلا متمرس يعرف العدو وراءه كالأم خبيرة بميولات طفلها . و قادر على أن يلاعبه لعبة (الغميضة ) حتى يتمكن منه. ، وربما يتفق معي جميع الإخوان القراء والنقاد على أن أسلوب الأستاذة في الكتابة القصصية قادر على أداء هذه المهمة الصعبة ، فهو أسلوب يمكن تمييزه من بين مئات الأساليب ، لأسباب عدة نذكر منها ، سلاسة اللغة ،وجماليات التراكيب السهلة التي لاتحتاج إلى التحليق في عالم الإبهام والغموض ، وإنما تعبر عما تريد قوله بصدق عاطفة المرأة الأديبة ، التي تقدر احترامها للقاريء
بالنسبة لهذه الفكرة التي أرقت الانسان على مر العصور، وظلت ترافقه منذ الأزل لاحظت ان الاستاذة مهدية والاستاذ ياسين خضر القيسي قد تناولاها في نصيهما (القاطع)و(الحوذي) بحرفية رائعة .
لقد تم التعبير عن هذه الفكرة في مختلف أنماط التفكير والاعتقادات البشرية ،ففي عالم الأساطير تطالعنا ملحمة البطل الأسطوري ،(جلجامش) سليل الوركاء وهو يخرج في رحلة بحث عن عشبة الخلود ،بعدما رأى بأم عينيه موت صديقه الحميم (أنكيدو )، إذ سيخوض الكثير من الأهوال ويغوض في أعماق البحار من أجل هذه العشبة التي ستختطفها منه حية ، فيعود إلى الوركاء خالي الوفاض يجر أديال الهزيمة ، وسيقتنع في آخر المطاف أن ثلثه البشري سيكون سببا في عدم قدرته على الخلود وبالتالي يستنتج أن الخلود خاصية إلهية وليست إنسانية فيكون قد هزمه الزمن .
ولا نقتصر على فكرة الصراع هذه في أدب الملاحم وإنما عبر عنها أدباء أمثال توفيق الحكيم في كتابه (عودة الروح) وكذلك( أهل الكهف) ، التي تأثر فيها بقصة أهل الكهف في القرأن الكريم.
وهناك من اعتبر أن الزمن هو الذي يقضي على الإنسان خصوصا مايسمى بالدهريين (الملحدين ) فقد روت أساطير الحميريين وأفاضت كثيرا في بحت ملوكهم عن (ماء الحياة) الذي يهبهم الخلود ويقهر الدهر ، ويروى أن الخضر رافق ذي القرنين في رحلة عبور قطعا فيها جل بقاع الأرض ، وعندما حلت المنية لتختطف ذي القرنين أنشد الخضر قائلا :
لما رأيت من المنون وعيدا~~~~قوضت رحلك سحره تجديدا
هتكت خطوب الدهر عزك هتكة ~~أمسى حسامك دونهامغمودا
فقد كان هذا الصراع الأبدي بين ملوك الحميريين والدهر ،تتمخض عنه أسئلة تحيرهم ، وهو لما يدوم الدهر ، من خلال تعاقب الليل والنهاردون الإنسان الذي يؤول مصيره إلى الهلاك والفناء وموته أمر حتمي . ويروى أن سام كان يخاف أن يهزمه الزمن ويصير إلى حتمية الموت ، فكان يعبر عن ذلك بقوله (الحياة كبيت له بابان ،دخلت من هذا وخرجت من ذاك ) .
فالدهر كان ولازال هو العدو اللذوذ للإنسان حيث تناثرت الكثير من الخرافات عن لقمان ونسوره السبعة وتشبته بالحياة والخلود وقد أنشد فيه شاعريقال إن اسمه (يتم اللات ) :
رأيت الفتى ينسى من الدهر حقه ~~حذار لربيب الدهر آكله
ولو عاش ماعاشت للقمان أنسر~~لصرف الليالي بعد ذلك ياكل يقول الطبري في كتابه تاريخ الطبري ،< المعمرون والوصايا >:
{إن أول ما خلق الله القلم فقال:أكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن ، ويقال إن القلم سأل الرب قل : يا رب وما اكتب ؟ قال : أكتب القدر فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وبما هو كائن إلى الأبد }.
يظهر إذن أن الصراع مع الزمن ، ظاهرة استحوذت على الإنسان منذ قديم الزمان ، وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة ، واختلفت التسميات ، والظروف والملابسات ، فالإنسان دائما في احتياط وصراع أبدي مع الزمن الذي يقطع منه الأنفاس ، وهذا الصراع يتوارث ابنا عن أب عن جد ، ويتواثر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (،فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ) و (الوقت من ذهب ) وهلما جرا …
وقد عبر الكتاب والمفكرون عبر مختلف العصور والأزمنة عن هذه الظاهرة ، فهذا( جيل فيرن )، يتوقع أن الإنسان سيتغلب على الزمن ويدور العالم في( ثمانين يوما) في وقت لم تكن تعرف فيه الإنسانية هذا التقدم العلمي الذي نسبيا جعلها تحقق الكثير من الإنجازات ، في هذا المجال ، ومهدية ليست إلا جزء لا يتجزأ من كل هؤلاء المفكرين والكتاب والشعراء الذين عبروا عن هذا الصراع الذي لن ينتهي ما دام هناك إنسان وما دامت هناك حياة ومادام هناك عدو اسمه الزمن . مزيدا من التألق أساذة مهدية .