كان مولعاً بالرسم منذ الصغر .. تعلمه ، واتقنه بعد سنين طويلة من الدراسة والعلم .. ذات يوم دخل أحد المعارض الفنية كعادته حين تقام بين فترة ، وأخرى.. تأمل جيداً فلم يجد غير ألواح في ركن لم تسلّط عليه الأضواء ؛ كان ذلك الركن غارقاً بين شغاف قلبٍ يتموج فوق ساحات الزمن العتيق ، دلالة على ما يضمه من لوحات ملونة ، لا تحمل ألاّ اطارت من طراز قديم . لوحة كتب تحتها: عاشق ، لم يجد فيها لوناً يدلّ على ذلك ، كأنها شطآن القوافي بَرَكَتها مقدسة بلا صلاةٍ ، أو توديعٍ ؛ طافية عليها جدران من رنين الى الآن يدور في أزقة موحشة من الصبر ، وبقايا عناقٍ ينتظر في ( طابور ) أسمته الحياة : زوبعةً في فنجانٍ كفيفة عيونه .
أمام لوحة أخرى اسمها الأنثى ، وجد الرجال يبحثون عن أنوثة متهرئة ، مع أشلاء ليلٍ في حانات لوّنَها دمُ رمال ، وعصافير مغرّر بها ، والنساء يحتشمنَ بخلايا العناكب لمجرد أنهنَّ أغوينَ الهوى ، وسكارى مارقون يُرقِصون دنانيرهم فوق رؤوسٍ بعثرتها جيوب عفنة من المهانة والانكسار ، وذلِّ الخيانة بلا تقويم ، أو سنةٍ تحمل بعض حروف من أسمائهم الوهمية .
هناك تسارع نبض شرايينه كما الاشجار الباردة حين تقتفي آثرَ ظلالها المنسية بعيداً ، وتعاود توسلها الى آخر درجة في محرار لا يقيس ألاّ درجة الصرح الممزق والألوان المبعثرة بإتقان ، وشفافية أسموها :
حقائقاً بلا حدود !
كان الرسام يحمل معه فرشاة فاخرة ، لأول مرة تتم صناعتها للمحترفين ، نظر اليها وتقيء ، ثم رماها في أقرب سلة للمهملات ، وأعلن اعتزاله في مؤتمر خاص لم يحضره إلاّ بعض لوحاته القديمة ، ومنصّة رسمه المكسورة !
- صرح ومنضدة رسم
- التعليقات