طوال الرحلة المملة لم يتبادلا كلمة واحدة، بل لم تكد تفطن إليه وهو يجلس بجوارها في الطائرة، فقد كانت نهبًا لأفكارها السوداء، وهي تقلب بطريقة آلية صفحات مجلة نسائية، وعقلها شارد لآلاف الأميال. على العكس كان هو يلتهمها بعينيه في تركيز شديد، وقد استولت عليه فكرة واحدة.
قبيل النزول أسرع يفتح الرفّ العلوي برشاقة، ويناولها حقيبتها الصغيرة بأدب، وقد افترّ ثغره عن ابتسامة ساحرة، ردّت مجاملة بابتسامة شاكرة، وتقدمت إلى الباب لا تلوي على شيء.
في صالة ختم الجوازات تكرر لقاؤهما، عرفت أنه مخرج سينمائي كبير، صارحته أنها رغم ثقافتها الفنية الواسعة لا تتذكر فيلمًا واحدًا له، علل ذلك ضاحكًا بأنه مخرجٌ عالمي، كل أعماله في هوليوود، يعيشُ في الخارج منذ سنوات طويلة، ولا يعود للبلاد إلا لاكتشاف الوجوه الجديدة.
لو أنها عثرت على خاتم سليمان أو مصباح علاء الدين، ما اعتراها فرح أشد من فرحها بهذه الفرصة الذهبية التي ساقها إليها القدر على غير انتظار، وقدمها إليها على طبقٍ من فضة، كأنما الدنيا عادت تبتسم لها من جديد، وتصالحها بعد خصام نكد. كانت غارقة في الدّيون حتى أذنيها، وقد سُدت في وجهها كل السُّبل، بعد أن غرّر بها باحثٌ جامعي شاب، استولى على كل ما تملك، بحجة تمويل اختراع جديد، سيقفز بهما إلى مصافّ أصحاب الملايين.
ثم اكتشفت أنه نصّاب داهية، بعد أن سافر بحجة عرض الاختراع على جهة علمية أجنبية، وذاب كالملح في الماء فلم تعثر له على أثر، رغم تمسكها بأهداب الأمل وكثرة بحثها واستقصائها، رافضة الاعتراف بأنها وقعت ضحية لخديعة كبرى. ثم مع الأيام بدأ اليأس يتسلل إلى نفسها، فاضطرت إلى التسليم بالحقيقة المُرة ومحاولة التعايش معها.
ابتسمت في دلال حين تناول يدها برفق وقبّلها، ناولها بطاقته المهنية، وتمنّى أن تهاتفه في أقرب فرصة. شيّعته بنظرات الإعجاب والإكبار، وهو يتوجه باعتداد إلى صالة كبار الزوار.
في غمرة هذا الانبهار نسيت حذرها، وحنثت في أيمانها المغلظة بألا تثق في رجل كائنًا من كان وإن لبس مسوح القديسين، منذ فارقها نازعتها نفسها مِرارًا للاتصال به، في حزم غالبت رغبتها الجامحة يومين كاملين، ثم انهارت عزيمتها في اليوم الثالث فلم تقوَ على المقاومة، على مقهى شهير بوسط البلد تقابلا من جديد، أخبرته أنها كانت في بيروت لحضور مهرجان سينمائي، بدعوة من إحدى صديقاتها المشاركة بلجنة التحكيم، في محاولة من الصديقة المخلصة لإخراجها من حالة الاكتئاب التي تشرنقت داخلها بعد المصيبة التي ألمّت بها.
في طريق عودتها اصطحبها متودّدًا، قاد السيارة على مهل، توقف أمام منتزهٍ راقٍ، انتبذا ركنًا قصيًّا، أثنى على جمالها الأخّاذ، عرض عليها السفر معه إلى هوليوود لتصبح نجمة فيلمه القادم. أدهشها حين طلب منها فجأة أن تنظر إليه بفزعٍ شديد، كمن تنظر إلى سفاح يهمُّ بقتلها، ضحكتْ، تمنّعت، بعد إلحاح شديد استجابت، هزّ رأسه في رضى، طلب منها الحضور غدًا، لتصوير هذه اللقطة في الاستديو مع الدّيكور المناسب، أعطاها العنوان ومضى.
في الموعد المحدّد، كانت تدقّ الجرس في لهفة، دلفتْ إلى بهو فسيح، يعجّ برجال ونساء في ثياب زاهية وأقنعة مخيفة، الكاميرات مبثوثة في الأرجاء، الديكورات غريبة، والأضواء خافتة، والموسيقى توحي بحفلة من حفلات مصاصي الدماء. على حين غِرّة فُتح باب جانبي، امتدت يدٌ سحبتها بقوة خلفه، ثم أغلق قبل أن تتمكن من الصّراخ، كتم أنفاسها منديلٌ مبلّل برائحة نفّاذة، وسرعان ما غابت عن الوعي.
أفاقتْ بعد مدة لا تعلم مداها، لتجد نفسها مشدودة الوثاق بإحكام إلى كرسي كبير، وأضواء الكاميرات مسلّطة عليها، والمخرج العالمي يتأمل رقبتها الناعمة بنظرات رهيبة، وفي يده مدية لامعة، فطار قلبها شعاعًا، وامتلأت رعبًا، وصرخت من الأعماق.
- صرخة الفزع
- التعليقات